العلاقات التونسية – الروسية من إرث الصداقة إلى شراكة المصالح (1/5)
من موسكو إلى قرطاج… كيف تطورت العلاقات التونسية الروسية خلال سبعين عاما؟
الملفات الاستراتيجية لـ«لوبوان» – كتب سفيان رجب
سبعون سنة مرت منذ أن أقامت تونس والاتحاد السوفياتي علاقاتهما الدبلوماسية في 11 جويلية 1956، أي بعد أشهر قليلة من استقلال تونس. سبعة عقود تغير خلالها العالم، وسقط الاتحاد السوفياتي، وولدت روسيا الاتحادية، وتبدلت خرائط النفوذ والتحالفات، فيما حافظت تونس وروسيا على قنوات التواصل السياسي والتعاون الوثيق في جل المجالات.
ومنذ أقل من ثلاثة أشهر وبالتحديد في 11 جويلية 2026، احتفلت تونس وروسيا بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، في مناسبة أكدت خلالها قيادتا البلدين استمرار الرغبة في تطوير التعاون، خصوصا في المجالات الاقتصادية والفلاحية والعلمية والتقنية والثقافية، وفتح آفاق جديدة في القطاعات ذات القيمة المضافة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بما أنجز خلال سبعين عاما، بل بما يمكن أن تحمله السنوات المقبلة. هل تستطيع تونس وروسيا الانتقال من إرث الصداقة والتعاون التقليدي إلى شراكة اقتصادية أكثر تنوعا وإنتاجية، تستفيد منها تونس في أسواقها المتوسطية والإفريقية، وتجد فيها روسيا شريكا مستقرا في شمال إفريقيا؟
البدايات… علاقات ولدت بعد الاستقلال
لم تنتظر تونس طويلا بعد الاستقلال حتى تفتح قناة دبلوماسية مع موسكو. ففي 11 جويلية 1956 أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين تونس والاتحاد السوفياتي، لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الخارجية للدولة التونسية الفتية.
وكانت تلك الخطوة جزءا من سياسة تونسية أوسع تقوم على بناء شبكة من العلاقات الدولية وعدم حصر الدبلوماسية التونسية في المجال الأوروبي التقليدي. أما بالنسبة إلى موسكو، فقد كانت دول شمال إفريقيا الخارجة حديثا من الاستعمار تكتسب أهمية متزايدة في سياق دولي اتسم بالحرب الباردة وصعود حركات التحرر الوطني.
وفي ستينيات القرن الماضي، انتقلت العلاقات إلى مستوى أكثر انتظاما مع التبادل المتبادل للسفراء، وبدأت العلاقات السياسية والاقتصادية تتطور تدريجيا. كما أطلق الاتحاد السوفياتي برامج لتكوين طلبة تونسيين في مؤسساته الجامعية، وهو أحد المجالات التي تركت أثرا إنسانيا وعلميا طويل المدى في العلاقات بين البلدين.
وهنا تبرز إحدى الخصائص المهمة للعلاقة التونسية الروسية: فهي لم تقم فقط على الاتصالات السياسية، بل امتدت منذ بداياتها إلى التعليم والتكوين والتعاون الاقتصادي والثقافي.
من الاعتراف الدبلوماسي إلى التعاون الاقتصادي
لم تكن العلاقات الاقتصادية منفصلة عن السياق السياسي، فقد شهدت ستينيات القرن الماضي انتقالا تدريجيا نحو تنظيم المبادلات التجارية. وتشير مصادر تاريخية إلى أن البلدين وقعا في نهاية 1964 أول اتفاق طويل الأمد للتجارة والمدفوعات، بما ساهم في دفع المبادلات الثنائية آنذاك.
وفي تلك المرحلة، لم يكن الهدف مجرد زيادة حجم التجارة، وإنما بناء إطار للتعاون بين بلد حديث الاستقلال يبحث عن تنويع علاقاته الاقتصادية، واتحاد سوفياتي كان يسعى بدوره إلى توسيع علاقاته مع دول العالم الثالث.
وهكذا بدأت تتشكل طبقات متعددة للعلاقة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية. وهو إرث مهم بالنسبة إلى تونس اليوم، لأن العلاقات بين البلدين لم تبدأ من الصفر في السنوات الأخيرة، بل تستند إلى شبكة من الاتصالات والمؤسسات والخبرات المتراكمة منذ أكثر من ستة عقود.
زيارة كوسيغين… محطة بارزة في مسار العلاقات
ولعل إحدى أبرز المحطات في تاريخ العلاقات التونسية السوفياتية كانت زيارة رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفياتي آنذاك، أليكسي كوسيغين، إلى تونس في ماي 1975.
كانت الزيارة ذات دلالة سياسية واقتصادية في مرحلة كانت فيها الحرب الباردة تعرف تحولات مهمة، فيما كانت تونس تحاول المحافظة على هامش واسع من الحركة في علاقاتها الدولية.
وتشير وثائق تاريخية إلى أن المحادثات التونسية السوفياتية خلال الزيارة تناولت مجموعة واسعة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وأكد الجانبان رغبتهما في تعزيز التعاون على أساس المساواة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمنفعة المتبادلة.
وبعيدا عن السياق الدولي الذي أحاط بالزيارة، فإن أهميتها بالنسبة إلى تاريخ العلاقات الثنائية تكمن في أنها عكست رغبة الطرفين في إعطاء العلاقة بعدا يتجاوز الاتصالات الدبلوماسية إلى تعاون اقتصادي واجتماعي وثقافي أوسع.
التعليم… الجسر الذي بقي بعد تغير الأنظمة
من أكثر المجالات التي تكشف عمق العلاقة التاريخية بين تونس والفضاء السوفياتي هو التعليم العالي. فمنذ ستينيات القرن الماضي، استفاد طلبة تونسيون من برامج للدراسة والتكوين في الجامعات السوفياتية، قبل أن يستمر هذا المسار بعد قيام روسيا الاتحادية.
وإذا كان من السهل قياس العلاقات الدولية بأرقام التجارة والاستثمارات والزيارات الرسمية، فإن أثر التعليم أقل ظهورا في الإحصاءات، لكنه أكثر استدامة أحيانا.
فالكفاءات التي تلقت تكوينها في الجامعات السوفياتية والروسية أصبحت جزءا من النسيج العلمي والمهني التونسي، وهو ما وفر للعلاقة الثنائية بعدا إنسانيا وثقافيا لا تختزله الاتفاقيات الحكومية وحدها.
ومن هنا يمكن أن يشكل التعليم والبحث العلمي مجددا أحد المداخل المهمة لإعادة بناء الشراكة التونسية الروسية في المستقبل، خصوصا في مجالات التكنولوجيا والهندسة والعلوم التطبيقية.
1991 نهاية الاتحاد السوفياتي وبداية مرحلة جديدة
كان انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية 1991 نقطة تحول تاريخية كبرى. لكن هذا التحول لم يؤد إلى قطيعة بين تونس وموسكو.
فقد اعترفت تونس بروسيا الاتحادية باعتبارها الخلف القانوني للاتحاد السوفياتي في ديسمبر 1991، واستمرت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وبذلك انتقلت العلاقة من إطارها السوفياتي إلى إطار روسي جديد، من دون أن تفقد إرثها السابق.
كان العالم قد تغير، وروسيا نفسها دخلت مرحلة إعادة بناء سياسي واقتصادي عميقة، فيما كانت تونس تواصل البحث عن موقعها في نظام دولي ما بعد الحرب الباردة.
ومع مرور الوقت، بدأت العلاقات الثنائية تتخذ طابعا أكثر براغماتية، يركز على التجارة والسياحة والفلاحة والطاقة والتعليم والثقافة، إلى جانب الحوار السياسي.
اللجنة المشتركة… من العلاقات السياسية إلى الآلية الاقتصادية
أحد المؤشرات المهمة على انتقال العلاقة إلى مرحلة مؤسساتية جديدة كان إنشاء اللجنة الحكومية المشتركة التونسية الروسية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني.
وعقدت اللجنة أولى دوراتها في مارس 1999، قبل أن تتواصل اجتماعاتها على مدى السنوات التالية.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة لأنها توفر الإطار الذي يمكن من خلاله الانتقال من إعلان الرغبة في التعاون إلى تحديد المشاريع والقطاعات والفرص العملية.
وفي نوفمبر 2024، انعقدت الدورة الثامنة للجنة المشتركة، برئاسة وزير العمل والحماية الاجتماعية الروسي أنطوني كوتياكوف ووزير التجارة وتنمية الصادرات التونسي سمير عبيد، بما يؤكد استمرار هذا الإطار المؤسساتي. كما أعلن الجانب الروسي في 2026 التحضير للدورة التاسعة، بالتوازي مع منتدى للأعمال.
وهنا تظهر إحدى النقاط الأساسية التي سيعود إليها هذا الملف في فصوله المقبلة:
فالعلاقات التونسية الروسية تمتلك الإطار السياسي والمؤسساتي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الإطار إلى مشاريع واستثمارات وشراكات إنتاجية.
من الحبوب إلى السياحة… عودة الاقتصاد إلى الواجهة
في السنوات الأخيرة، اكتسبت العلاقات الاقتصادية التونسية الروسية أهمية إضافية. فروسيا أصبحت من أهم موردي تونس للحبوب والمنتجات النفطية، في وقت تبحث فيه تونس عن تأمين حاجاتها الأساسية وتنويع مصادر التوريد. وفي المقابل، تسعى المنتجات التونسية، وفي مقدمتها زيت الزيتون، إلى تعزيز حضورها في السوق الروسية.
وفي ماي 2026، قال السفير الروسي في تونس ألكسندر زولوتوف إن حجم المبادلات التجارية بين البلدين تجاوز 1.8 مليار دولار، مشيرا إلى تنامي حضور المنتجات التونسية، وخاصة زيت الزيتون، في السوق الروسية، وإلى أن حجم التجارة الثنائية تضاعف عدة مرات خلال السنوات الأخيرة.
لكن الرقم، مهما كانت أهميته، يطرح سؤالا أكبر:هل يمكن أن تتحول المبادلات التجارية إلى شراكة اقتصادية أكثر توازنا، تقوم على الاستثمار والتصنيع المشترك وليس فقط على البيع والشراء؟ الإجابة على هذا السؤال ستكون محور الفصل الثاني من ملفنا.
السياحة… علاقة شعبية تتجاوز السياسة
السياحة تمثل بدورها أحد أهم الجسور بين الشعبين. ففي 2019، أي قبل جائحة كوفيد-19، بلغ عدد السياح الروس الذين زاروا تونس نحو 650 ألف سائح، وفق ما نقلته السفارة الروسية بتونس. ومع عودة الطلب السياحي الروسي، ترى موسكو أن السوق التونسية ما زالت تمتلك إمكانات مهمة، رغم غياب الرحلات الجوية المباشرة حاليا. باستثناء تجربة تربط مطاري المنستير بموسكو.
وتكشف السياحة عن جانب مختلف من العلاقات الثنائية، فهي لا ترتبط فقط بالحكومات والمؤسسات، وإنما بالتواصل المباشر بين الشعوب.
فالسائح الروسي يعرف تونس من خلال شواطئها ومواقعها التاريخية ومناخها وخدماتها، بينما تمثل السوق الروسية بالنسبة إلى تونس سوقا سياحية ضخمة يمكن أن تكون ذات قيمة أكبر إذا توفرت الظروف الملائمة للنقل الجوي والتسويق والتعاون بين وكالات الأسفار.
زيارة لافروف… العلاقات تدخل مرحلة جديدة
في ديسمبر 2023، قام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بزيارة رسمية إلى تونس، والتقى الرئيس قيس سعيّد ووزير الخارجية آنذاك نبيل عمار.
وخلال الزيارة، جرى بحث تطوير التعاون في مجالات الحبوب والطاقة والصحة والتعليم العالي والتبادل الثقافي والتكنولوجيات الحديثة والفضاء، إلى جانب تطوير المبادلات التجارية. كما شكلت الزيارة مناسبة لبحث عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها أعادت العلاقات التونسية الروسية إلى واجهة الاهتمام السياسي في لحظة كانت فيها البيئة الدولية تشهد تحولات عميقة.
لكن الأهم أن الرسالة الاقتصادية كانت واضحة، موسكو وتونس تبحثان عن مجالات جديدة للتعاون تتجاوز القطاعات التقليدية.
سبعون عاما… ماذا بعد؟
في جويلية 2026، عندما احتفلت تونس وروسيا بمرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية، أكدت الرسائل الرسمية المتبادلة بين وزيري خارجية البلدين عمق العلاقات واستمرار التعاون في المجالات الاقتصادية والفلاحية والعلمية والثقافية والتقنية، مع التأكيد على البحث عن فرص جديدة في قطاعات واعدة وذات قيمة مضافة.
وهكذا تبدو العلاقة التونسية الروسية أمام مفترق جديد. فمن جهة، هناك رصيد تاريخي يمتد سبعة عقود. ومن جهة ثانية، هناك مبادلات تجارية تتجاوز 1.8 مليار دولار، وسوق روسية واسعة، وحضور سياحي مهم، وتعاون في الحبوب والطاقة والفلاحة والتعليم والعلوم.
ومن جهة ثالثة، هناك عالم يتغير بسرعة، وتتشكل فيه مراكز اقتصادية جديدة، وتتوسع فيه العلاقات بين روسيا وإفريقيا والعالم العربي، فيما تبحث تونس عن تنويع أسواقها وشركائها ومصادر الاستثمار.
لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت العلاقات التونسية الروسية موجودة فهي بالتأكيد موجودة منذ سبعين عاما. بل أن السؤال الحقيقي والاصح هو:هل تستطيع تونس أن تنقل هذه العلاقة من إرث تاريخي ناجح إلى شراكة اقتصادية جديدة، أكثر تنوعا وإنتاجية، تستجيب للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي؟
ذلك أن قيمة العلاقات الدولية لا تقاس فقط بعمرها، وإنما بقدرتها على إنتاج فرص جديدة.
وفي حالة تونس وروسيا، تبدو هذه الفرص متعددة من الأمن الغذائي إلى الطاقة، ومن السياحة إلى التكنولوجيا، ومن التجارة إلى الاستثمار والتصنيع المشترك.
وإذا كان الفصل الأول قد عاد إلى جذور العلاقة ومسارها التاريخي، فإن الفصل الثاني سيقترب أكثر من الأرقام والمصالح الاقتصادية، ليطرح السؤال الأصعب:
روسيا وتونس… من المبادلات التجارية إلى المصالح الاستراتيجية؟
(يتبع…)
فهرست الملف
العلاقات التونسية – الروسية من إرث الصداقة إلى شراكة المصالح
الفصل الأول
من موسكو إلى قرطاج… كيف تطورت العلاقات التونسية الروسية خلال سبعين عاما؟ (نشر أعلاه)
- البدايات الدبلوماسية
- تونس والاتحاد السوفياتي
- التعاون السياسي والاقتصادي
- التعليم وتكوين الكفاءات
- التعاون العلمي والثقافي
- مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي
- أهم الزيارات والاتفاقيات
- العلاقات التونسية الروسية اليوم
الفصل الثاني
لماذا تكتسب روسيا أهمية جديدة في الحسابات الاقتصادية التونسية؟
- المبادلات التجارية
- الحبوب والأمن الغذائي
- الصادرات التونسية نحو روسيا
- زيت الزيتون والمنتجات الغذائية
- السياحة الروسية
- الطاقة
- النقل واللوجستيك
- السوق الروسية والفضاء الأوراسي
الفصل الثالث
خمسة قطاعات يمكن أن تغير مستقبل الشراكة التونسية – الروسية
- الأمن الغذائي والزراعة
- الطاقة والطاقات المتجددة
- السياحة والنقل
- التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا
- الصناعة والتصنيع المشترك
الفصل الرابع
تونس وروسيا وإفريقيا… هل تستطيع تونس أن تصبح منصة روسية نحو القارة؟
- روسيا وإفريقيا
- موقع تونس في المتوسط
- منطقة التجارة الحرة الإفريقية
- الموانئ واللوجستيك
- التصنيع المشترك
- التكنولوجيا والخبرات
- الشركات الروسية
- الأسواق الإفريقية
- تونس كحلقة وصل بين روسيا وإفريقيا
الفصل الخامس
ما الذي يجب أن تفعله تونس حتى تستفيد من الشراكة الروسية؟
- الدبلوماسية الاقتصادية
- تنويع الأسواق
- جذب الاستثمار الروسي
- تطوير الصادرات
- التصنيع المشترك
- التعاون التكنولوجي
- النقل والربط الجوي والبحري
- التعاون الجامعي والعلمي
- الانفتاح على الفضاء الأوراسي
- بناء شراكات ثلاثية تونسية–روسية–إفريقية
الخاتمة
بين الشرق والغرب… هل تستطيع تونس بناء شراكة متوازنة مع روسيا دون خسارة شركائها التقليديين؟
