تحاليل وأراء

ازمة الاتحاد الجهوي للشغل بمدنين : من يملك القرار؟

لوبوان تي ان :

قد يبدو قرار الاتحاد الجهوي للشغل بمدنين تعليق نشاطه النقابي بالكامل، للوهلة الأولى، مجرد محطة جديدة في الخلاف القائم حول عقد مؤتمر جهوي طال تأجيله. غير أن التمعّن في ما يجري داخل الاتحاد العام التونسي للشغل يكشف أن القضية أعمق من أن تُختزل في خلاف حول موعد مؤتمر أو إجراء تنظيمي.

فنحن إزاء ظاهرة بدأت تتجاوز حدود التباينات التقليدية داخل المنظمة، لتطرح أسئلة جوهرية تتصل بطبيعة العلاقة بين المركز والجهات، ومفهوم الشرعية النقابية، وحدود صلاحيات القيادة المركزية، فضلا عن مدى قدرة القانون الأساسي على تأطير التداول على المسؤوليات وضمان احترام قواعده.

ومن هذا المنطلق، تبدو سابقة مدنين جديرة بالقراءة بوصفها جرس إنذار حقيقيا داخل المنظمة، لا مجرد حادثة تنظيمية عابرة، لما تحمله من دلالات قد تتجاوز إطارها المحلي لتلامس توازنات الاتحاد ومستقبله التنظيمي.

● من يملك القرار؟

الرسالة الأهم التي تحملها أزمة مدنين ليست: «نريد عقد مؤتمر»، وإنما سؤال أكثر عمقًا: من يملك القرار داخل الاتحاد؟

فالقيادة المركزية تتجه، وفق المعطيات المتداولة، إلى تأجيل عدد من المؤتمرات إلى سنة 2027، في حين تتمسك جهات، من بينها مدنين والقصرين، بإجراء مؤتمراتها قبل نهاية سنة 2026.

وكان يمكن أن يبقى الخلاف في حدود التباين التنظيمي الطبيعي داخل منظمة كبيرة ومتعددة المستويات، لولا أن الأمر في مدنين تجاوز الاعتراض إلى تعليق النشاط النقابي برمته. وهنا يتغير معنى الأزمة. فعندما يصل هيكل جهوي إلى وقف نشاطه احتجاجًا على طريقة إدارة ملف المؤتمر، فإن الخلاف لم يعد متعلقًا بالروزنامة وحدها، بل أصبح يمس حدود صلاحيات المركز واستقلالية الجهات، ومن يملك الكلمة الأخيرة في تفسير القواعد المنظمة للحياة الداخلية للاتحاد. وهذا هو الجانب الأكثر حساسية في سابقة مدنين.

● مدنين: ذروة مسار لا حادثة معزولة

ما حدث في مدنين لم يأتِ من فراغ. فقد تعذر عقد المؤتمر الجهوي أكثر من مرة، وكانت هناك محاولات سابقة في ماي وجويلية من العام الجاري لم تفضِ إلى انعقاده. وربما يرجع السبب الى العجز المادي الذي تعيشه المنظمة. كما أن الاتحاد الجهوي سبق أن عبّر، منذ جانفي 2025، عن مخاوفه مما اعتبره «منعرجا خطيرا» داخل المنظمة، ودعا إلى معالجة الأزمة في الأطر النقابية. لذلك، فإن قرار سبتمبر 2026 يبدو أقرب إلى ذروة لمسار من التراكم منه إلى رد فعل آني. واللافت أن مظاهر التوتر لم تعد محصورة في مدنين. ففي الاتحاد الجهوي بالقصرين، برز خلاف حول المؤتمر الجهوي، وصل إلى طلب المسؤول المكلف بتسييره إعفاءه من مهامه. أما في الاتحاد الجهوي بقفصة، فقد انتقل خلاف، على ما يبدو، حول نتائج المؤتمر الجهوي إلى القضاء.

نحن، إذن، أمام ثلاث صور مختلفة للتوتر داخل المنظمة:

▪︎ مدنين:تعليق النشاط النقابي.

▪︎ القصرين: طلب إعفاء مسؤول جهوي من مهامه.

▪︎ قفصة: انتقال الخلاف إلى القضاء.

ولكل حالة سياقها الخاص، ولا يجوز بالضرورة وضعها في سلة واحدة، لكن اجتماعها يطرح سؤالا مؤسسيًا لا يمكن تجاهله: هل أصبحت آليات إدارة الخلاف داخل الاتحاد عاجزة عن استيعاب النزاعات قبل أن تتحول إلى مواجهة بين الهياكل؟ وهنا تحديدا تكمن أهمية مدنين.. فهي لا تكشف فقط عن خلاف جهوي، وإنما تضع العلاقة بين المركز والجهات أمام اختبار مباشر.

● من مركزية القرار إلى ضرورة إدارة الاختلاف

ظل الاتحاد العام التونسي للشغل، بحكم تركيبته وتاريخه، يقوم على توازن دقيق بين مركز قوي وشبكة واسعة من الهياكل الجهوية والقطاعية.

وكانت الخلافات جزءا طبيعيا من حياته الداخلية، لكن الأهم كان وجود مؤسسات وآليات تسمح باستيعابها والحفاظ على وحدة المنظمة.

المشكلة تبدأ عندما لا يعود الخلاف يجد طريقه إلى الحل داخل تلك الآليات، فينتقل تدريجيا من النقاش إلى التعطيل، ومن التعطيل إلى الاستقالة أو الإعفاء، ومن ثم إلى القضاء أو تعليق النشاط. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ينبغي أن يكون المركز قويا أو أن تكون الجهات مستقلة، بل كيف يمكن تحقيق توازن بين وحدة المنظمة وحق هياكلها في ممارسة صلاحياتها، وبين سلطة المركز وضرورة احترام القواعد المشتركة؟

فالمركز القوي ليس بالضرورة المركز الذي يفرض قراراته، وإنما المركز القادر على إدارة الاختلاف والحفاظ على وحدة المؤسسة دون إلغاء تعدد الأصوات داخلها.

● هل جذور الأزمة أقدم من أزمة المؤتمرات؟

هنا تبرز ضرورة العودة إلى ما هو أبعد من أزمة المؤتمرات. فالاتحاد يعيش منذ سنوات أسئلة تتعلق بطبيعة القيادة، والتداول على المسؤوليات، واحترام الديمقراطية الداخلية، وقدرة الهياكل على تجديد نفسها.

فمنذ 2011، اكتسب الاتحاد العام التونسي للشغل وزنا سياسيا استثنائيا في الحياة الوطنية في ظل ضعف مؤسسات الدولة وطبيعة المرحلة الانتقالية. غير أن اتساع دوره السياسي طرح في المقابل سؤالا حول مدى مواكبة هذا الحضور بإعادة بناء البيت الداخلي وتجديد هياكله وآليات عمله.

فالشرعية الداخلية لأي منظمة لا تُكتسب مرة واحدة، وإنما تُجدد باستمرار من خلال الانتخابات، والتداول، واحترام القواعد، وإتاحة المجال للأجيال الجديدة.

وعندما يتأخر التجديد، لا يبقى الخلاف مجرد اختلاف في الرؤى، بل يمكن أن يتحول إلى صراع حول الأشخاص والمواقع والصلاحيات.

وهذا ما يجعل قضية المؤتمرات في النهاية أكبر من مجرد رزنامة تنظيمية: إنها تتصل بمن يملك حق التجديد، ومتى يحدث، وبأي قواعد.

● الفصل 20: عندما يصبح النص التنظيمي محل نزاع

في هذا السياق، يكتسب الجدل حول الفصل 20 من القانون الأساسي أهمية خاصة. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف تقني حول تأويل نص، وإنما تتصل بمبدأ أوسع: هل تظل القواعد التي وضعتها المنظمة لنفسها ملزمة للجميع، أم تصبح قابلة للتأويل تبعا للظروف وموازين القوى؟

وترتبط أزمة الاتحاد الجهوي بمدنين، في جانب منها، بتمسك الكاتب العام بالترشح لعضوية المكتب الجهوي، رغم أقدميته الطويلة في المسؤولية، والتي قد تتجاوز أربعين سنة، وهو ما يجعل الفصل 20 جزءا أساسيا من النقاش.

وبحسب القراءة المطروحة للنص، فإن الفصل 20، منذ اقراره سنة 2002، حدد مسؤوليات المكتب التنفيذي للقيادة المركزية، بينما لم يضع السقف نفسه لبقية الهياكل، ومنها المكاتب الجهوية والنقابات الوطنية، بما أبقى تقلد المسؤوليات فيها مفتوحا دون تحديد واضح لعدد الدورات.

وقد أدى ذلك، على امتداد السنوات، إلى إمكانية استمرار بعض المسؤولين في مواقعهم لفترات طويلة جدا.

وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بعينه، وإنما بسؤال مؤسساتي: متى تكون الاستمرارية مصدر خبرة واستقرار، ومتى تتحول إلى عائق أمام التداول وتجديد النخب؟ فالخبرة ليست مشكلة، والاستمرارية قد تكون مفيدة للمؤسسة. لكن الديمقراطية النقابية لا تعني فقط تنظيم الانتخابات، وإنما تعني أيضا أن تكون القواعد أعلى من إرادة الأشخاص، وأن يكون التداول على المسؤوليات ممكنا وفعليا. وعندما يصبح الوصول إلى المسؤولية أو مغادرتها مرتبطا بتأويلات متباينة للقانون، فإن الإشكال يتجاوز الأشخاص ليطال الثقة في المؤسسة نفسها.

●أزمة الموارد… ضغط إضافي

إلى جانب الإشكالات التنظيمية، يبرز عامل مادي لا يقل أهمية، وهو انقطاع نظام الخصم المباشر للاشتراكات بعد قرار الحكومة، وهو النظام الذي شكّل منذ عقود أحد مصادر الاستقرار المالي والتنظيمي للاتحاد. فالقوة التاريخية للاتحاد قد قامت، إلى جانب اتساع قاعدته العمالية وانتظام انخراط أعضائه، على موارد مالية مكّنته من مواصلة نشاطه والحفاظ على قدر من الاستقلالية. غير أن هذا الرصيد المالي والتنظيمي لم يكن بمنأى عن الجدل، إذ أُثيرت، في أوساط مختلفة، شبهات واتهامات تتعلق بسوء التصرف في أموال المنظمة خلال فترة تولّي القيادة الممتدة من عام 2011 إلى غاية المؤتمر الأخير، وهي مسائل قد تظل محل مساءلة أو محاسبة أمام الجهات القضائية المختصة متى توفرت بشأنها المعطيات والملفات القانونية اللازمة. وفي هذا السياق، فإن أي ضغط إضافي على موارد الاتحاد يأتي في لحظة تشهد فيها المنظمة توترات وخلافات داخلية، من شأنه أن يزيد من هشاشتها ويعقّد قدرتها على إدارة أزمتها والمحافظة على تماسكها التنظيمي.

فالمؤسسة التي تواجه في الوقت نفسه خلافات حول الشرعية، وأسئلة حول تجديد القيادة، وضغوطًا مالية، تصبح أكثر حاجة إلى آليات قوية لإدارة الاختلاف والحفاظ على ثقة قواعدها

● هل بدأت ساعة التفكك؟

ليس من السليم القول إن الاتحاد يتفكك الآن؛ فذلك استنتاج يحتاج إلى معطيات أوسع.

لكن يمكن القول إن مؤشرات التوتر المؤسسي أصبحت أكثر وضوحا، فالمسألة لا تتعلق بوجود خلافات.. فالخلاف طبيعي في أي منظمة ديمقراطية. الإشكال يبدأ عندما تفشل المؤسسات في تحويل الخلاف إلى تسوية، فيتحول تدريجيا إلى تعطيل أو استقالات أو نزاعات قضائية أو مواجهة مباشرة بين المركز والجهات.

ومن هنا، ستكون طريقة معالجة أزمة مدنين ذات دلالة تتجاوز الحالة نفسها. فالتشدد قد يؤدي إلى احتواء الخلاف في المدى القصير، لكنه قد يدفعه إلى مستويات أخرى. كما أن الاستجابة لمطلب جهة واحدة دون معالجة القواعد العامة قد تفتح الباب أمام تكرار السيناريو في جهات أخرى. لذلك، فإن المعالجة الأوسع تقتضي، قبل كل شيء، إعادة ضبط قواعد اللعبة التنظيمية: رزنامة واضحة للمؤتمرات، قواعد موحدة تنطبق على مختلف الهياكل، حسم مؤسسي في تأويل القانون الأساسي، توضيح العلاقة بين المركز والجهات، وآليات أكثر وضوحا للتداول على المسؤوليات.

● مدنين ليست أصل الأزمة… لكنها كشفتها

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم: فمدنين ليست بالضرورة أصل الأزمة، ولا ينبغي تحميلها وحدها مسؤولية توترات أوسع من حدودها الجهوية. لكنها كشفت، بصورة حادة، مشكلة كانت تتشكل تدريجيا داخل المنظمة: كيف تُدار الاختلافات عندما تتعارض إرادة المركز مع إرادة أحد هياكله؟ فالمنظمات التاريخية لا يهددها الاختلاف في حد ذاته، بل يهددها عجزها عن إدارة الاختلاف.

والاتحاد العام التونسي للشغل، بما يمثله من تاريخ ورصيد اجتماعي ووطني، يحتاج إلى الحفاظ على حضوره الخارجي بقدر حاجته إلى مراجعة آليات عمله الداخلية.

وقد تنتهي أزمة مدنين بتسوية تعيد الأمور إلى مسارها الطبيعي، لكن الأهم هو ألا تكون التسوية مجرد حل مؤقت لملف جهوي، وإنما مدخلا إلى معالجة الإشكالات التي كشفت عنها الأزمة.

فإذا نجح الاتحاد في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لمراجعة قواعده وتجديد هياكله وتعزيز الثقة بين المركز والجهات، فإن الخلاف يمكن أن يصبح مناسبة لإعادة بناء التوازن الداخلي.

أما إذا بقيت كل أزمة تعالج منفردة، دون مراجعة للأسباب التي تنتجها، فقد يتحول ما يبدو اليوم خلافا تنظيميا محدودا إلى مسار تدريجي من تآكل الثقة والشرعية الداخلية. ذلك أن قوة الاتحاد لا تُقاس فقط بقدرته على مواجهة الخارج، وإنما أيضا بقدرته على إدارة اختلافاته، وتجديد مؤسساته، وإصلاح بيته من الداخل. ومدنـين، بهذا المعنى، ليست مجرد أزمة جهوية:إنها جرس إنذار.

الكاتب والنقابي السابق: محمد العماري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى