لم تعد العلاقة بين تونس والصين تقرأ فقط من زاوية المبادلات التجارية الثنائية أو المشاريع الصينية داخل السوق التونسية. فمع التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وخصوصًا صعود إفريقيا كإحدى أهم ساحات النمو والاستثمار خلال العقود المقبلة، تبرز تونس أمام الصين من زاوية مختلفة تماما: هل يمكن أن تتحول إلى منصة تربط الاستثمارات والخبرات الصينية بالأسواق الإفريقية؟
السؤال ليس افتراضيا بالكامل. فالصين رسخت خلال العقود الأخيرة حضورا واسعا في إفريقيا، وأصبحت شريكا رئيسيا للعديد من دول القارة في مجالات البنية التحتية والطاقة والاتصالات والتصنيع والنقل. وفي المقابل، تبحث الشركات الصينية بصورة متزايدة عن أسواق جديدة، وعن مواقع إنتاج ولوجستيات قادرة على خدمة أكثر من سوق في الوقت نفسه. وهنا تظهر أهمية تونس.
فالموقع التونسي لا يمنحها فقط إطلالة على البحر المتوسط، وإنما يضعها عند نقطة تقاطع بين أوروبا وشمال إفريقيا والفضاء الإفريقي الأوسع. وإذا أضيف إلى الموقع الجغرافي عنصر الاتفاقيات التجارية والخبرة الصناعية والبنية التحتية البشرية، فإن تونس تمتلك بعض عناصر المنصة الإقليمية. لكن امتلاك العناصر لا يعني بالضرورة امتلاك النموذج.
إفريقيا… السوق التي تغير قواعد اللعبة
إفريقيا لم تعد بالنسبة إلى القوى الاقتصادية الكبرى مجرد سوق للمواد الأولية أو مجالا للمشاريع العملاقة. القارة تتحول تدريجيا إلى فضاء صناعي واستهلاكي ولوجستي جديد، مدفوعة بالنمو السكاني، والتوسع الحضري، والحاجة إلى الطاقة، وتطور الخدمات الرقمية، وارتفاع الطلب على النقل والبنية التحتية.
ويمنح إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية هذا التحول بعدا إضافيا، لأنها تفتح الباب أمام بناء سوق إفريقية أكثر تكاملا، وتدفع الشركات إلى التفكير في الإنتاج والتوزيع على مستوى القارة بدل التعامل مع كل سوق إفريقية بصورة منفصلة.
بالنسبة إلى الصين، يمثل ذلك فرصة ضخمة. وبالنسبة إلى تونس، يمثل فرصة لا تقل أهمية، ولكن بشرط أن تغير طريقة النظر إلى موقعها. فبدل أن يكون السؤال: ماذا يمكن أن تبيع تونس للصين؟، يصبح السؤال الأكثر أهمية:
ماذا يمكن أن تنتج الشركات الصينية في تونس من أجل تونس وإفريقيا وأوروبا في الوقت نفسه؟ وهنا تحديدا يمكن أن يبدأ التحول.
من السوق التونسية إلى قاعدة إنتاج إقليمية
السوق التونسية محدودة الحجم مقارنة بالأسواق الصينية أو الأوروبية أو الإفريقية الكبرى. وهذه الحقيقة تجعل من الصعب بناء استراتيجية استثمارية كبرى تقوم فقط على الاستهلاك المحلي. لكن تونس تستطيع أن تقدم للمستثمر الأجنبي شيئا مختلفا: قاعدة إنتاج وتصدير.
فالصناعة التونسية تمتلك خبرة متراكمة في قطاعات مثل مكونات السيارات، الصناعات الكهربائية والإلكترونية، النسيج، الصناعات الميكانيكية، الصناعات الغذائية والأدوية. كما أن قربها من أوروبا يمثل ميزة مهمة، بينما يمكن أن يوفر انفتاحها الإفريقي مجالا إضافيا للتوسع. وهذا يطرح إمكانية تطوير نموذج جديد للتعاون مع الصين وهو خلق نموذج من خلال الجمع بين هذه العناصر : الاستثمار الصيني مع الكفاءات التونسية مع الموقع التونسي مع الأسواق الإفريقية والأوروبية.
في مثل هذا النموذج، لا تكون الصين مجرد مصدر للسلع إلى تونس، ولا تكون تونس مجرد سوق للمنتجات الصينية، بل تصبح شريكًا في الإنتاج والتوزيع.
الشركات الصينية… من المقاولات إلى التصنيع
الحضور الصيني في إفريقيا ارتبط لفترة طويلة بمشاريع البنية التحتية الكبرى، من الطرق والسكك الحديدية إلى الموانئ والطاقة والاتصالات.
لكن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة. فالشركات الصينية أصبحت أكثر اهتمامًا بالتصنيع، وسلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، والمعدات الإلكترونية، والخدمات الرقمية.
وهنا يمكن لتونس أن تقدم نفسها كوجهة استثمارية مختلفة عن الأسواق الإفريقية الكبيرة.
فهي قريبة من أوروبا، وتملك قاعدة صناعية قائمة، وكفاءات هندسية وتقنية، ومؤسسات تعليمية قادرة على توفير اليد العاملة المؤهلة، إلى جانب موقع بحري استراتيجي.
المطلوب هو الانتقال من سياسة استقبال المستثمر إلى سياسة استهداف المستثمر.
أي أن تبحث تونس عن الشركات الصينية التي تحتاج إلى قاعدة إنتاج أو توزيع موجهة إلى إفريقيا وأوروبا، بدل انتظار وصول الاستثمارات إليها بصورة تلقائية.
التمويل… الحلقة التي لا يمكن تجاهلها
لا يمكن بناء منصة إقليمية من دون تمويل. وهنا تظهر إحدى أكبر نقاط التحدي أمام تونس. فالمشاريع الصناعية واللوجستية الكبرى تحتاج إلى استثمارات ضخمة، كما تحتاج إلى أدوات تمويل طويلة الأجل، وضمانات، وشراكات بين القطاعين العام والخاص.
الصين تمتلك خبرة واسعة في تمويل المشاريع الكبرى، كما أن المؤسسات المالية الصينية لعبت دورا مهما في تمويل مشاريع البنية التحتية في عدد من الدول.
لكن المطلوب تونسيا ليس البحث عن التمويل الصيني باعتباره هدفا في حد ذاته.
الهدف هو استقطاب التمويل نحو مشاريع منتجة وقابلة للتصدير
فالتمويل الذي يبني مصنعًا للتصدير، أو مركزًا لوجستيًا، أو محطة للطاقة المتجددة، أو منصة رقمية تخدم الأسواق الإفريقية، يختلف جذريا عن تمويل مشروع لا يخلق قيمة مضافة مستدامة.
- الموانئ… الاختبار الحقيقي
إذا كانت تونس تريد أن تصبح منصة بين الصين وإفريقيا، فإن الموانئ واللوجستيات ستكون في قلب المعادلة.
الموقع الجغرافي وحده لا يكفي. فالاستثمار يبحث عن سرعة المناولة، وربط الموانئ بالطرق والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والمراكز اللوجستية، والإجراءات الجمركية السريعة، والخدمات الرقمية.
لذلك فإن تطوير المنظومة اللوجستية التونسية يجب ألا ينظر إليه باعتباره مشروعًا للنقل فقط، وإنما باعتباره مشروعًا اقتصاديًا واستثماريًا وسياديًا.
كل يوم إضافي تقضيه البضاعة في الميناء يضعف القدرة التنافسية. وكل تحسين في زمن العبور والتخليص الجمركي يمكن أن يتحول إلى ميزة مباشرة للمستثمر.
وفي هذا السياق، يمكن للتعاون التونسي–الصيني أن يتوسع نحو تطوير اللوجستيات والمناطق الصناعية والموانئ، شرط أن يكون ذلك جزءًا من استراتيجية وطنية متكاملة.
- المناطق الصناعية… من الأراضي إلى منظومات إنتاج
لا يكفي إنشاء منطقة صناعية جديدة ووضع البنية الأساسية فيها. المطلوب هو إنشاء منظومات صناعية متخصصة تجمع المصنعين والموردين ومراكز البحث والتكوين والخدمات اللوجستية والتمويل. ويمكن التفكير مثلا في مناطق تستهدف صناعات بعينها:
مكونات السيارات والسيارات الكهربائية.
الطاقات المتجددة ومكونات الطاقة الشمسية والريحية.
المعدات الكهربائية والإلكترونية.
الصناعات الغذائية الموجهة للأسواق الإفريقية.
الصناعات الدوائية والصحية.
التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
وبذلك تصبح المنطقة الصناعية منصة متكاملة وليست مجرد مجموعة من المصانع.
لكن… هل تستطيع تونس المنافسة؟ وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
فتونس ليست الدولة الوحيدة التي تريد أن تصبح بوابة إلى إفريقيا. المغرب ومصر وتركيا ودول إفريقية أخرى تعمل على جذب الاستثمارات الصينية وتطوير أدوارها اللوجستية والصناعية.
لذلك فإن المنافسة لن تكون على الموقع الجغرافي وحده.
ستكون على السرعة والكلفة والاستقرار والتمويل والكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار.
وتونس تمتلك عناصر قوة حقيقية، لكنها تحتاج إلى تحويلها إلى منظومة متكاملة.
إذا نجحت في ذلك، يمكن للصين أن تجد في تونس شريكًا مختلفًا: ليس فقط سوقا، وإنما نقطة إنتاج وربط وتوزيع.
أما إذا بقيت البنية اللوجستية بطيئة، والإجراءات الإدارية معقدة، والاستثمار يواجه العراقيل، فإن الموقع الجغرافي سيظل مجرد ميزة على الخريطة.
من الجغرافيا إلى الاقتصاد
الدرس الأهم هو أن الجغرافيا لا تصنع الثروة بمفردها. الموقع يصبح قوة اقتصادية عندما تتحول الموانئ إلى حركة تجارية، والمناطق الصناعية إلى إنتاج، والجامعات إلى ابتكار، والشركات إلى صادرات، والدبلوماسية إلى استثمارات.
ومن هنا، فإن الشراكة التونسية–الصينية يمكن أن تدخل مرحلة جديدة إذا انتقلت من منطق المبادلات الثنائية إلى منطق الشراكة الثلاثية: تونس–الصين–إفريقيا.
وقد يكون هذا هو المجال الأكثر وعدًا بالنسبة إلى تونس في المرحلة المقبلة.
لكن الاستفادة من صعود الصين لا تبدأ في بكين.
إنها تبدأ في تونس، من خلال الإصلاحات التي تجعل تونس قادرة على استقطاب الاستثمار وتحويله إلى إنتاج وتصدير وقيمة مضافة.
وهذا يقود إلى السؤال الأخير في هذا الملف: ماذا يجب على تونس أن تفعل حتى لا تكتفي بمراقبة صعود الصين، بل تصبح شريكا مستفيدا منه؟
(يتبع)
الفصل الأول (تم النشر)
من قرطاج إلى بكين… كيف تطورت العلاقات التونسية الصينية خلال ستين عاما؟
- البدايات الدبلوماسية
- لماذا كانت تونس من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالصين؟
- المراحل الكبرى للعلاقات
- أهم المشاريع الصينية في تونس
- تطور المبادلات التجارية
- الزيارات الرسمية
- أين تقف العلاقات اليوم؟
الفصل الثاني (تم النشر)
لماذا أصبحت الصين مهتمة بتونس؟
- موقع تونس في المتوسط
- مبادرة الحزام والطريق
- أهمية شمال إفريقيا
- الموانئ واللوجستيك
- الربط بين أوروبا وإفريقيا
- المنافسة مع أوروبا وأمريكا
الفصل الثالث (تم النشر)
خمسة قطاعات يمكن أن تغير مستقبل الشراكة التونسية الصينية
- الطاقة
- السيارات الكهربائية
- البنية التحتية
- الذكاء الاصطناعي
- الاقتصاد الرقمي
- الصحة
- التعليم
- التكنولوجيا
الفصل الرابع (المقال أعلاه))
تونس والصين وإفريقيا…هل تستطيع تونس أن تصبح منصة صينية نحو القارة؟
- اتفاقية التجارة القارية الإفريقية
- موقع تونس
- الشركات الصينية
- التمويل
- الصناعات الموجهة لإفريقيا
- الخدمات اللوجستية
- الموانئ
- المناطق الصناعية
الفصل الخامس
ما الذي يجب أن تفعله تونس حتى تستفيد من صعود الصين؟
- الإصلاحات المطلوبة
- الاستثمار
- البحث العلمي
- الجامعات
- التكنولوجيا
- التمويل
- التصنيع
- الدبلوماسية الاقتصادية
خاتمة: بين الشرق والغرب… هل تستطيع تونس أن تبني شراكة متوازنة مع الصين دون أن تخسر شركاءها التقليديين؟






