أراءتعليم

المجلس الأعلى للتربية والتعليم: هل نحن أمام إصلاح تربوي حقيقي قائم على التشخيص والمشاركة والخبرة، أم أمام إصلاح مركزي ذي خلفية سياسية؟

لوبوان تي ان:

لا شك أن إحداث مجلس أعلى للتربية والتعليم يمكن، من حيث المبدأ، أن يمثل فرصة لإعادة التفكير في المنظومة التربوية التونسية، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات عميقة تمس جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، ومناهج التدريس، والتكوين المهني، وعلاقة التعليم بسوق الشغل، إضافة إلى أوضاع المؤسسات التربوية والمدرسين والأساتذة والجامعيين.لكن أهمية المؤسسة لا تعفي من طرح أسئلة جوهرية حول طريقة إرسائها وتركيبتها ومنهجية عملها، والأهم حول طبيعة الإصلاح الذي يفترض أن تقوده.فهل نحن أمام إصلاح تربوي استراتيجي، تشاركي وعلمي، يستند إلى تشخيص موضوعي لتراكمات عقود كاملة؟ أم أننا أمام عملية إصلاح مركزية ومسقطة من أعلى، قد تجد نفسها عاجزة عن تحقيق أهدافها مهما كانت نوايا القائمين عليها؟ وهل يمكن، في ظل طريقة التعيين والظروف السياسية الحالية، فصل المشروع التربوي عن الأبعاد السياسية التي تحيط به؟

أولًا: مؤسسة دستورية، ولكن بأي ضمانات للاستقلالية؟
نص دستور 2022 في فصله 135 على أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم يتولى «إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى» في مجالات التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، مع إحالة تركيبة المجلس واختصاصاته وطرق سيره إلى القانون.
وهنا يطرح السؤال الأول نفسه: إذا كان المجلس مؤسسة دستورية ذات دور استراتيجي، ألا كان من الأجدى أن يتم تنظيمه بقانون أساسي يضمن بصورة أوضح استقلاليته، وتركيبته، وآليات عمله، وعلاقته ببقية مؤسسات الدولة، وطرق مساءلته، وكيفية اعتماد توصياته وتنفيذها؟
فالتربية والتعليم ليسا مجرد ملفين إداريين يمكن تغيير سياساتهما بتغيير الوزراء والحكومات، وإنما هما مشروع مجتمعي طويل المدى يتعلق بمستقبل أجيال كاملة.
والإصلاح التربوي الحقيقي يحتاج إلى قدر من الاستقرار والاستمرارية يتجاوز الدورة السياسية والحكومات والأشخاص.
ثانيًا: هل يمكن إصلاح التربية من دون حوار مجتمعي واسع؟

إذا كان المجلس الأعلى للتربية والتعليم سيشارك في رسم التوجهات الكبرى للمنظومة التربوية، فإن السؤال المشروع هو: أين كان الحوار الوطني الواسع حول فلسفة الإصلاح وأهدافه ومناهجه؟
إن الشأن التربوي يهم المجتمع بأسره، وليس السلطة التنفيذية وحدها.
فهو يعني الأولياء، والتلاميذ والطلبة، والمعلمين والأساتذة، والجامعيين والباحثين، والخبراء، والمختصين في علوم التربية، والنقابات، والمنظمات المهنية، والاتحادات الطلابية، ومجلس نواب الشعب، والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، ومكونات المجتمع المدني، إضافة إلى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

ومن الصعب تصور إصلاح جذري ومستدام لمنظومة بهذا الحجم من دون إشراك هؤلاء الفاعلين في تحديد المشكلات والأولويات والحلول.
فالإصلاح الذي لا يشعر المعلم والأستاذ والولي والمتعلم بأنه شريك فيه، قد يتحول في النهاية إلى مجرد قرارات إدارية مهما كانت جودة مضمونها النظري.والسؤال هنا ليس رفض الإصلاح، بل بالعكس: كيف نضمن أن يكون الإصلاح ملكًا للمجتمع وليس مشروعًا خاصًا بالسلطة؟

ثالثًا: التعيين أم الاختيار على أساس الكفاءة والخبرة؟
يثير تكوين المجلس بدوره أسئلة مشروعة.
فمع كامل الاحترام للأشخاص الذين تم تعيينهم، فإن السؤال لا يتعلق بالأشخاص في حد ذاتهم، وإنما بالمعايير التي تم اعتمادها لاختيارهم.
في مؤسسة يفترض أن تساهم في رسم مستقبل التربية والتعليم، ألا يكون من الأفضل اعتماد آلية شفافة تتيح الترشح على أساس ملفات علمية ومهنية واضحة، ومعايير معلنة تتعلق بالكفاءة والخبرة والتخصص والقدرة على الاستشراف؟
إن اختيار أعضاء مؤسسة استراتيجية بهذا الحجم يفترض أن يكون قابلاً للتفسير أمام الرأي العام.
ومن حق التونسيين أن يعرفوا: ما هي المعايير التي تم اعتمادها؟ وما هي الخبرات التي يمثلها كل عضو؟ وما هي الرؤى والدراسات التي يحملها حول إصلاح التربية والتعليم؟
ذلك أن إصلاح منظومة تربوية وطنية لا يمكن أن يقوم فقط على الولاء الإداري أو الثقة السياسية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى المعرفة والخبرة والاستقلالية والقدرة على التفكير النقدي والاستشراف.

رابعًا: هل يستطيع مجلس معيّن أن يقود إصلاحًا تشاركيًا؟
هنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية.
فالإصلاح التربوي الذي يحتاج إلى المشاركة والحوار والانفتاح على مختلف الآراء، قد يفقد جزءًا كبيرًا من شرعيته المجتمعية إذا انطلق من تركيبة تم تعيينها بصورة مركزية ومن دون نقاش عام واسع حول معايير الاختيار.
وقد يؤدي ذلك إلى مفارقة أخرى: مجلس مطالب بإصلاح منظومة التربية من خلال إشراك المجتمع، لكنه هو نفسه لم يُبنَ بالضرورة على أوسع آليات المشاركة المجتمعية.
ولا يعني هذا أن التعيين يجعل الإصلاح مستحيلًا، ولكنه يجعل المجلس أمام مسؤولية مضاعفة لإثبات استقلاليته وانفتاحه، وذلك عبر تنظيم مشاورات وطنية حقيقية، ونشر أعماله وتوصياته، والاستماع إلى مختلف الفاعلين، وإتاحة المجال للرأي المخالف.

خامسًا: ما طبيعة الإصلاح الذي نحتاج إليه؟

أعلن رئيس الجمهورية أن الهدف من إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم هو النأي بالأجيال القادمة عن الحسابات السياسية، حتى لا يبقى التلميذ أو الطالب رهين تغير المسؤولين، وأن تتأسس البرامج والمناهج على قواعد علمية تحفظ الهوية وتتيح للأجيال المساهمة في التربية والتعليم على المستوى العالمي.
كما حمّل رئيس الجمهورية جزءًا من مسؤولية الوضع الحالي للمنظومة التربوية لسياسات سابقة، معتبرًا أن قطاع التربية والتعليم تعرض منذ بداية التسعينيات إلى ما وصفه بـ«القصف والتدمير»، وأن بعض الشعب والمسارات التي أحدثت لم تكن لها آفاق واضحة، كما انتقد المناهج والسياسات التي ارتبطت آنذاك بما سمي”تجفيف المنابع”.
هذه الرؤية تفتح نقاشًا ضروريًا، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا منهجيًا: هل سيقوم المجلس بتشخيص علمي شامل لتاريخ الإصلاحات التربوية السابقة، أم سيكتفي بتبني قراءة سياسية لها؟
فالقطيعة مع الماضي لا يمكن أن تكون شعارًا.الإصلاح الجدي يقتضي تقييمًا موضوعيًا للإصلاحات التي عرفتها تونس منذ الاستقلال، بما فيها إصلاحات 1958، و1989، و2002، وغيرها من المبادرات والسياسات اللاحقة، وتحديد ما نجح منها وما فشل، وأسباب النجاح والفشل، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الانتقائية(.ولنا مقال سابق في ذلك ).

سادسًا: من سيقوم بالتشخيص؟قبل تغيير البرامج والمناهج، تحتاج تونس إلى تشخيص وطني شامل.
ما وضع المدرسة العمومية اليوم؟
لماذا تراجعت جاذبية المدرسة لدى جزء من المتعلمين؟
ما أسباب الانقطاع المبكر عن الدراسة؟
لماذا تتسع الفوارق بين الجهات وبين المؤسسات؟
ما وضع المدرسين والأساتذة وظروف عملهم؟
ما مدى ملاءمة التكوين الجامعي والمهني لحاجيات الاقتصاد؟
كيف يمكن تطوير التعليم التقني والمهني؟
ما موقع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في المدرسة والجامعة؟
وكيف يمكن أن نضمن أن يكون التعليم أداة للحراك الاجتماعي وتكافؤ الفرص بدل أن يتحول إلى عامل جديد لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والمجالية؟
هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى دراسات وأرقام ومعطيات ميدانية، لا إلى الانطباعات وحدها.
ومن هنا فإن أول مهمة للمجلس، في تقديري، ينبغي أن تكون التشخيص قبل الوصفة.

سابعًا: ما هي صلاحيات المجلس؟ ومن ينفذ توصياته؟
من أهم المسائل التي تحتاج إلى توضيح طبيعة العلاقة بين المجلس والحكومة ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي وبقية مؤسسات الدولة.
فالدستور يحدد للمجلس مهمة إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى في مجالات التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل
لكن ماذا يحدث عندما تختلف الحكومة مع توصيات المجلس؟
هل تكون آراء المجلس ملزمة أم استشارية؟
كيف يتم اعتماد توصياته؟
من يتابع تنفيذها؟
هل تنشر تقاريره للرأي العام؟
وهل يخضع لتقييم دوري مستقل؟
هذه ليست مسائل تقنية، وإنما أسئلة تتعلق بفعالية المؤسسة وبمدى قدرتها على التأثير الحقيقي في السياسات العمومية.
فقد تتحول المجالس الاستشارية، إذا غابت عنها آليات واضحة للمتابعة والتنفيذ، إلى مؤسسات لإنتاج التقارير والتوصيات دون أثر فعلي في الواقع.
ثامنًا: الإصلاح التربوي ليس مجرد تغيير للمناهج
من الأخطاء التي يجب تجنبها اختزال إصلاح التربية في تغيير البرامج والكتب المدرسية.
فالمدرسة منظومة متكاملة تشمل المدرس، والتلميذ، والمناهج، والمؤسسة، والبنية التحتية، والتقييم، والتكوين، والحوكمة، والتمويل، والعلاقة مع الأسرة، وربط التعليم بالبحث العلمي والاقتصاد والثقافة.
ولا يمكن إصلاح المدرسة من دون إصلاح وضع المدرس وتطوير تكوينه المستمر وتحسين ظروف عمله وتعزيز مكانته المهنية.
ولا يمكن إصلاح التعليم العالي من دون ربطه بالبحث العلمي والابتكار والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
ولا يمكن إصلاح التكوين المهني من دون إعادة النظر في علاقته بسوق الشغل وحاجيات الاقتصاد.
لذلك فإن المجلس مطالب بتقديم رؤية متكاملة، لا بمجرد قائمة من الإصلاحات الجزئية.

تاسعًا: هل يمكن أن يتحول المجلس إلى أداة سياسية؟
السؤال الأكثر حساسية هو: هل يحمل إنشاء المجلس أبعادًا سياسية تتجاوز الوظيفة التربوية؟من الصعب تجاهل أن التربية والتعليم احتلا موقعًا مركزيًا في الخطاب السياسي الحالي، وأن رئيس الجمهورية نفسه قدّم إصلاح القطاع باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
وهذا في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا؛ فكل سياسة تربوية تحمل بالضرورة اختيارات مجتمعية.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المدرسة إلى فضاء لإعادة إنتاج رؤية سياسية واحدة، أو عندما تصبح عملية إصلاح التعليم وسيلة لتصفية الحساب مع سياسات الماضي بدل أن تكون مشروعًا لبناء المستقبل.
التربية تحتاج إلى قيم وهوية وطنية، لكنها تحتاج كذلك إلى التفكير النقدي، والتعدد، والانفتاح على العالم، واحترام الاختلاف، والاستقلالية الفكرية.
فالهدف من المدرسة ليس إنتاج مواطن يردد خطاب السلطة، وإنما مواطن قادر على التفكير، والسؤال، والنقد، والإبداع، وتحمل المسؤولية.

عاشرًا: الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى عقد تربوي جديد
إذا أرادت تونس بالفعل إصلاح منظومتها التربوية، فإن المطلوب ليس مجرد مجلس جديد، وإنما عقد تربوي وطني جديد.
ويفترض هذا العقد تحديدًا واضحًا لما نريد أن تكون عليه المدرسة التونسية خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة.
أي مدرسة نريد؟
أي مواطن نريد أن تخرجه؟
ما موقع المعرفة والعلوم واللغات والثقافة والفنون والرياضة والتكنولوجيا؟
كيف نحقق المساواة بين أبناء الجهات والفئات الاجتماعية؟
كيف نعيد للمدرسة العمومية مكانتها؟
وكيف نجعل التعليم محرّكًا للتنمية بدل أن يكون مجرد آلية لإنتاج الشهادات؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن يجيب عنها عدد محدود من الأشخاص مهما كانت كفاءتهم.
إنها تحتاج إلى حوار وطني واسع وإلى مشاركة حقيقية للمدرسين والجامعيين والباحثين والطلبة والأولياء والاقتصاديين والمجتمع المدني.
خاتمة: بين فرصة الإصلاح ومخاطر الإصلاح المسقَط
إن إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم يمكن أن يكون فرصة تاريخية لتصحيح مسار طويل من الإصلاحات الجزئية والمتقطعة التي لم تنجح في معالجة الأزمة العميقة للمنظومة التربوية.
لكن المؤسسة وحدها لا تصنع الإصلاح.
فنجاح المجلس لن يقاس بعدد أعضائه ولا بعدد الاجتماعات التي سيعقدها، وإنما بقدرته على إنتاج معرفة حقيقية حول واقع التعليم، وبناء رؤية وطنية طويلة المدى، وفتح حوار واسع مع المجتمع، وتحويل توصياته إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.
أما إذا تحول المجلس إلى فضاء مغلق، أو إلى مؤسسة تكرس رؤية أحادية، أو إلى أداة لإعادة كتابة تاريخ التربية بمنطق سياسي، فإن مصيره سيكون مثل كثير من مشاريع الإصلاح السابقة: تبدأ بحماس كبير وتنتهي إلى نتائج محدودة.
إن تونس لا تحتاج اليوم إلى إصلاح تربوي جديد بالمعنى الإداري الضيق، وإنما تحتاج إلى مشروع وطني للتربية والتعليم.
ومثل هذا المشروع لا يمكن أن ينجح بالإسقاط من فوق، ولا بالتعيينات وحدها، ولا بتغيير المناهج فقط، ولا بالخطاب السياسي.
إنه يحتاج إلى العلم، والخبرة، والاستقلالية، والمشاركة، والنقد، والاستشراف، وإلى توافق مجتمعي واسع حول المدرسة التي نريدها لأجيال المستقبل.
والسؤال الذي سيبقى مطروحًا على المجلس منذ جلسته الأولى ليس: هل سيقوم بالإصلاح؟ وإنما: أي إصلاح؟ ولمن؟ وبأي منهج؟ وبأي ضمانات للاستقلالية والمشاركة؟
فإذا نجح المجلس في تحويل هذه الأسئلة إلى حوار وطني مفتوح، فقد يصبح بالفعل مؤسسة استراتيجية تساعد تونس على بناء مستقبلها.
أما إذا بدأ الإصلاح من فوق وانتهى إلى المجتمع من دون أن يشارك المجتمع في صياغته، فإن خطر الفشل لن يكون بعيدًا، مهما كانت النوايا المعلنة.
الإصلاح التربوي الحقيقي لا يُفرض على المجتمع، بل يُبنى معه.
الحسين بوشيبة
استاذ تعليم ثانوي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى