أراء

بعد سبعين عامًا من مجلة الأحوال الشخصية… من حقوق المرأة إلى عدالة الأسرة كان الثالث عشر من أوت، في

تونس-لوبوان

كان الثالث عشر من أوت، فيالوجدان التونسي، أكثر من عيد للمرأة. كان موعدًا مع القانون؛ تاريخًا تُستعاد فيه مكاسب الأمس، لكن الأنظار كانت تتجه إلى الغد: أيُّ حق سيُضاف؟ وأيُّ حيف سيرفعه التشريع؟ وأيُّ خطوة جديدة ستخطوها الدولة نحو مجتمع أكثر عدلًا؟

لهذا لم تستمد مجلة الأحوال الشخصية، منذ صدورها في 13 أوت 1956، قيمتها من أحكامها وحدها، بل من الفكرة التي حملتها: أن المجتمع ليس قدرًا جامدًا، وأن القانون يستطيع، حين تتوافر الإرادة والشجاعة، أن يعيد ترتيب العلاقات حين تصبح بعض أعرافها أضيق من العدالة. وبعد سبعين عامًا، لم يعد السؤال: هل كانت تونس رائدة؟و السؤال الأصعب هو: هل ما زالت قادرة على الريادة؟

فالريادة التي لا تتجدد تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة، والقانون الذي كان سابقًا لعصره قد يصبح متأخرًا عنه إذا توقف المجتمع عن مراجعته.

لقد تغيرت الأسرة التونسية. تغير موقع المرأة، وتغيرت الأدوار الاقتصادية والاجتماعية، وتعقدت آثار الطلاق، وظهرت أشكال جديدة من العنف والهشاشة، وأصبحت ملفات النفقة والحضانة والسكن والزيارة والمسؤولية الوالدية والعنف الاقتصادي والرقمي تطرح أسئلة لم تكن مطروحة بالصورة نفسها قبل عقود.

لذلك لا تحتاج تونس اليوم إلى تعديل صغير هنا وآخر هناك، بل إلى جيل ثانٍ من الإصلاحات الأسرية، يحفظ جوهر المكاسب ويعيد بناء ما تجاوزه الواقع.

والإصلاح الجاد يبدأ من ترتيب الأولويات.

أولًا: منع زواج القاصر نهائيًا… فالطفولة لا تقبل الاستثناء

يجب أن تكون الخطوة الأولى واضحة وحاسمة: جعل سن الثامنة عشرة حدًا أدنى مطلقًا للزواج وإغلاق باب الاستثناء القانوني نهائيًا.

ليس الأمر تفصيلًا تشريعيًا، بل مسألة اتساق في فلسفة الدولة تجاه الطفل.

فإذا كان القانون يعتبر من لم يبلغ الثامنة عشرة طفلًا جديرًا بحماية خاصة، فكيف يمكن للنظام القانوني نفسه أن يسمح له، ولو استثنائيًا، بالدخول في مؤسسة ترتب مسؤوليات عاطفية واجتماعية واقتصادية وربما أمومة وأبوة؟

ولا ينبغي أن تصبح موافقة الأسرة مبررًا لتجاوز هذه الحماية؛ فالولاية على القاصر وُجدت لحراسة طفولته، لا لمنح الإذن بإنهائها قبل أوانها.

إن حماية حقوق المرأة تبدأ قبل بلوغها سن المرأة؛ تبدأ من فتاة لا ينبغي أن تجد نفسها زوجة وهي ما تزال قانونًا طفلة.

ومن المفارقة أن نحتفل في الثالث عشر من أوت بحقوق المرأة بينما نترك في القانون نافذة يمكن أن تعبر منها طفلة إلى مسؤوليات الزواج قبل أن تعبر بالكامل إلى سن الرشد.

ثانيًا: قضاء أسري متخصص… لأن الزمن جزء من العدالة

الخطوة الثانية هي إحداث قضاء أسري متخصص يمتلك من الأدوات ما يتناسب مع حساسية النزاعات التي ينظر فيها.

فالأسرة ليست ملفًا مدنيًا عاديًا.

قضية النفقة تحمل وراء أرقامها معيشة طفل. وقضية الحضانة تحمل استقراره النفسي. وطلب الحماية من العنف قد يتعلق بسلامة إنسان لا تحتمل انتظار أشهر من الإجراءات.

لذلك يحتاج قاضي الأسرة، إلى جانب تكوينه القانوني، إلى آليات تسمح بالاستعانة بعلم النفس والعمل الاجتماعي وخبراء الطفولة، وإلى إجراءات استعجالية حقيقية في المسائل التي لا تحتمل التأخير.

فالعدالة الأسرية ليست أن يصدر الحكم الصحيح فقط؛ بل أن يصل قبل أن يصبح الضرر أقوى من الحكم.

ثالثًا: إصلاح النفقة… حماية للمستحق وعدالة في التقدير

يجب إعادة بناء منظومة النفقة على مبدأين متلازمين: سرعة ضمان الحق وعدالة تحديد الالتزام.

يمكن تطوير آلية عمومية للتسبيق بالنفقة في الحالات التي يتعذر فيها التنفيذ، وفق شروط قانونية دقيقة، ثم تتولى الدولة استخلاص المبالغ ممن وجبت عليه.

وفي المقابل، ينبغي أن يقوم تقدير النفقة على معايير أكثر موضوعية تراعي حاجات الطفل والقدرة الاقتصادية الفعلية للوالدين، مع تشديد آليات كشف إخفاء المداخيل والتحايل على التنفيذ.

فالنفقة ليست عقوبة على فشل الزواج، وإنما استمرار لمسؤولية لم يُنهها الطلاق.

رابعًا: من الحضانة إلى المسؤولية الوالدية المشتركة

أما الإصلاح الرابع فيحتاج إلى تغيير في الفلسفة قبل تغيير النص.

يجب أن نتوقف عن طرح السؤال: «لمن يكون الطفل بعد الطلاق؟» وأن نستبدله بسؤال: «كيف يستمر الأب والأم في تحمل مسؤوليتهما تجاهه؟»

يمكن في هذا الإطار تطوير مفهوم المسؤولية الوالدية المشتركة ودراسة الحضانة المشتركة أو الإقامة المتوازنة متى سمحت الظروف الواقعية والنفسية والجغرافية بذلك وثبت أنها تحقق المصلحة الفضلى للطفل، مع استبعادها عند وجود العنف أو الخطر أو الإدمان أو عدم القدرة على الرعاية.

فالطلاق يفك رابطة زوجية، لكنه لا يصدر شهادة وفاة للأبوة أو الأمومة.

خامسًا: حماية الطفل من التحول إلى أداة خصومة

يجب أن يتدخل القانون كذلك عندما يتحول الطفل إلى وسيلة انتقام بين الوالدين.

وكما لا يجوز التهرب من النفقة، لا ينبغي قبول التعسف المتعمد في تعطيل علاقة الطفل بأحد والديه دون سبب مشروع، مع اعتماد تدخل متدرج يبدأ بالوساطة والتوجيه والمتابعة الاجتماعية والنفسية، وينتهي عند الاقتضاء بجزاءات مناسبة للحالات المتعمدة والمتكررة.

فالطفل لا ينبغي أن يرث خصومات والديه.

والمطلوب هنا ليس حماية «حق الأب في الطفل» أو «حق الأم في الطفل»، وإنما الانتقال إلى مفهوم أرقى: حق الطفل في والديه، متى كانت العلاقة آمنة وسليمة.

سادسًا: وساطة أسرية قبل أن تتحول المحكمة إلى امتداد للخصومة

ليس كل زواج قابلًا للإنقاذ، لكن كثيرًا من الأسر يمكن إنقاذها من طريقة انتهاء الزواج.

لذلك يمكن إرساء وساطة أسرية مؤسساتية في النزاعات التي تسمح طبيعتها بذلك، مع استبعاد حالات العنف والخطر.

وظيفتها ليست فرض المصالحة، وإنما مساعدة الطرفين على تنظيم آثار الانفصال، وخاصة ما يتعلق بالأطفال والنفقة والسكن والتواصل، قبل أن تتحول كل مسألة صغيرة إلى قضية جديدة.

فالدولة الذكية لا تنتظر انهيار الأسرة بالكامل ثم تتولى إدارة الركام.

سابعًا: الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل غير المأجور داخل الأسرة

هناك ثروة تُصنع داخل البيوت ولا تظهر في الحسابات.

قد يتخلى أحد الزوجين عن جزء من مساره المهني، أو يخفض نشاطه، ليتولى رعاية الأطفال وإدارة الأسرة، بما يسمح للطرف الآخر بالتقدم مهنيًا وتكوين دخل أو ثروة أكبر.

ولا يعني الاعتراف بذلك تحويل الزواج إلى شركة تجارية أو المساس التلقائي بالملكية الفردية، وإنما فتح نقاش قانوني جدي حول كيفية احتساب المساهمة غير المباشرة عند وجودها وإثباتها، منعًا لأن يخرج أحد الطرفين من سنوات طويلة من البناء المشترك وكأنه لم يساهم في شيء.

فالعدالة الاقتصادية لا ترى الراتب فقط؛ ترى أيضًا العمل الذي جعل ذلك الراتب ممكنًا.

ثامنًا: تقييم القانون عدد 58… من قوة النص إلى جودة التنفيذ

مثّل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة محطة تشريعية مهمة، لكن قوة القانون لا ينبغي أن تجعل تقييمه من المحظورات.

بعد سنوات من التطبيق، أصبح ضروريًا قياس سرعة الحماية، ونجاعة التعهد بالضحايا، ومدى التنسيق بين الأمن والقضاء والصحة والشؤون الاجتماعية، وتطوير التعامل مع العنف الاقتصادي والرقمي والابتزاز وانتهاك الحياة الخاصة.

فالمرأة لا تحتاج إلى قانون قوي في عنوانه فقط، بل إلى مؤسسات قوية عند تنفيذه.

تاسعًا: حماية اجتماعية تبدأ من المرأة الأكثر هشاشة

لا يمكن قياس تقدم حقوق المرأة فقط بما تحقق للنخب أو في المدن الكبرى.

المعيار الحقيقي هو المرأة التي تعمل في الحقل، أو في نشاط موسمي، أو في الاقتصاد غير المنظم، أو في ظروف لا توفر لها تغطية اجتماعية أو نقلًا آمنًا أو حماية مهنية كافية.

فالحق الذي يضعف كلما ابتعدنا عن المركز ليس حقًا مكتملًا.

ومن هنا ينبغي أن تصبح التغطية الاجتماعية والسلامة المهنية والنقل الآمن للنساء العاملات في القطاعات الهشة جزءًا أصيلًا من سياسة حقوق المرأة، لا ملفًا اجتماعيًا هامشيًا.

عاشرًا: إعادة توزيع كلفة الأسرة بين الأم والأب

تحتاج منظومة إجازات الأمومة والأبوة بدورها إلى التطوير بما يسمح بمشاركة أكبر للأب في الرعاية منذ السنوات الأولى.

فالمساواة في سوق العمل لن تكتمل ما دامت الأمومة تُحمّل المرأة وحدها تقريبًا كلفة مهنية لا يتحملها الرجل بالقدر نفسه.

وإشراك الأب في الرعاية لا ينتقص من دور الأم؛ إنه يعيد الاعتبار إلى الأبوة نفسها ويجعل مسؤولية الأسرة أكثر توازنًا.

وأخيرًا: نحو مجلة حديثة للأسرة

هذه الإصلاحات لن تبلغ مداها إذا ظلت موزعة بين نصوص وتعديلات متفرقة.

لذلك تستحق تونس التفكير، بهدوء وجرأة، في مراجعة تشريعية شاملة لمنظومة الأسرة، أو في بناء مجلة حديثة للأسرة تجمع في رؤية واحدة الزواج والطلاق والمسؤولية الوالدية والنفقة والحضانة وحقوق الطفل والحماية من العنف والحقوق المالية وتنفيذ الأحكام.

وهنا يجب تثبيت قاعدة لا ينبغي أن يلتبس معناها:

حقوق المرأة لا تُبنى على إلغاء حقوق الأب.

فإنصاف المرأة لا يقتضي إضعاف الرجل، كما أن استعادة الأب لمكانته لا تستوجب التراجع عن مكتسباتها. القانون الذي ينقل الاختلال من طرف إلى آخر لا يصنع مساواة؛ إنه يغير فقط اسم المتضرر.

والطفل هو الاختبار الأصعب لعدالة المنظومة كلها.

حين يكون القانون قادرًا على حماية أمه دون إقصاء أبيه، وعلى إلزام أبيه بمسؤوليته دون اختزاله في النفقة، وعلى حمايته هو من صراعهما، نكون قد انتقلنا فعلًا من تشريع للمرأة إلى عدالة للأسرة.

13 أوت… ماذا بعد سبعين عامًا؟

ربما حان الوقت لكي يستعيد الثالث عشر من أوت وظيفته التاريخية.

أن يصبح موعدًا سنويًا لا تقدم فيه الدولة خطابًا جديدًا فحسب، بل حصيلة لما أنجزته ومشروعًا لما ستصلحه.

فالمرأة التونسية لا تحتاج إلى أن نخبرها كل عام بما حققته جداتها. الأجدر أن نسأل ماذا سنترك نحن لبناتها.

لقد امتلكت تونس سنة 1956 الجرأة على أن تجعل القانون يتقدم على جزء من الواقع الاجتماعي. وبعد سبعين عامًا، ليس المطلوب أن نعيش على شجاعة جيل سابق، بل أن نمتلك شجاعتنا نحن.

فأصدق وفاء للمكاسب ليس حراستها من الزمن، بل جعلها قادرة على العبور فيه.

وعندها فقط يعود الثالث عشر من أوت عيدًا بالمعنى الذي يليق بتاريخ تونس:

لا يومًا نمنح فيه المرأة وردة أخرى، بل موعدًا تمنح فيه الدولة مجتمعها قانونًا أكثر عدلًا للمستقبل

ريم بالخذيري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى