لوبوان تي ان :
نشر الدكتور عميرة علية الصغير، الأستاذ بالجامعة التونسية باحدى الصحف الالكترونية بتاريخ 11-07-2026 مقالا بعنوان: “الدولة المدنية في ميزان الاخوان مجرد تكتيك سياسي”، عرض فيه رؤيته للتيار الاسلامي ومرجعياته الفكرية، وعلاقته بما يسميه مشروع “الحاكمية الإلهية”، منتهيا إلى جملة من الأحكام القطعية التي تستدعي، في تقديري، وقفة نقدية هادئة.
ولأن النقاش الفكري لا يستقيم بالانطباعات ولا بالمواقف المسبقة، فإن هذه الملاحظات لا تستهدف صاحب المقال، ولا حقه في تبني ما يشاء من مواقف، وإنما تناقش منهج الاستدلال الذي بُنيَ عليه المقال، وما تضمنه من مقدمات واستنتاجات. فالخلاف في السياسة والفكر مشروع، أما المنهج العلمي فلا ينبغي أن يكون محل انتقاء أو توظيف أيديولوجي.
ليست المشكلة في أن يختلف الناس في تقييم حركة سياسية أو تيار فكري، فذلك من طبيعة الحياة العامة، وإنما المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى خطاب يقوم على الإيحاء بدل البرهان، وعلى المصادرة على المطلوب بدل النقاش الحر. فحين يغيب المنهج، يصبح من السهل الوصول إلى أي نتيجة يراد الوصول إليها، مهما كانت هشاشة مقدماتها.
لقد اعتدنا في الكتابات الأيديولوجية أن تبدأ بالحكم ثم تبحث عما يؤيده، لا أن تبدأ بالوقائع ثم تترك للقارئ حرية الاستنتاج. وهذا بالضبط ما نلمسه في هذا النوع من الخطاب.. إذ تُرسم صورة لعالم يبدو وكأنه لا يواجه خطرا إلا من “الجماعات الإسلامية”، بينما يُطوى تاريخ كامل من العنف والاستبداد الذي مارسته أنظمة سياسية وأيديولوجيات أخرى، وكأن ذاكرة الشعوب انتقائية، أو كأن القارئ فقد القدرة على المقارنة
فإذا كان معيار الإدانة هو توظيف الدين في السياسة، فلماذا يصبح هذا المعيار انتقائيا؟ ولماذا لا نجد في الخطاب نفسه أي حديث عن الجماعات الدينية اليهودية أو المسيحية أو البوذيّة التي مارست، ولا تزال تمارس، أشكالا من الاحتلال أو التمييز أو العنف باسم العقيدة؟ وإذا كان معيار الحكم هو احترام الإنسان وحقوقه، فلماذا يختزل الخطر كله في طرف واحد، بينما تُمنح أطراف أخرى حصانة غير معلنة من النقد؟
لكن المأخذ الأكبر ليس في هذه الانتقائية، وإنما في المنهج نفسه. فبدل أن يناقش الأفكار والسياسات، يلجأ الخطاب إلى بناء سلسلة من الإيحاءات. يبدأ بسيد قطب، ثم ينتقل إلى ابن تيمية، فمحمد بن عبد الوهاب، فحسن البنا، فالمودودي، ثم يقفز مباشرة إلى “حركة النهضة”، ليخلص إلى أن الجميع يمثلون مشروعا واحدا، وأن “الحركة” لم تغادر هذا الفكر إلى اليوم.
وهذا ليس استدلالا علميا، بل هو أحد أشهر المغالطات المنطقية، وهي مغالطة “الذنب بالارتباط”. فالانتساب إلى تراث فكري لا يعني تبني كل ما ورد فيه، كما أن الاقتباس من مفكر لا يجعل كل آرائه ملزمة لمن استشهد به. ولو اعتمدنا هذا المنهج في قراءة الفكر الإنساني كله، لأصبح كل من يقرأ ماركس مسؤولا عن جرائم ستالين، وكل من يستلهم نيتشه مسؤولا عن النازية، وكل من يتبنى الليبرالية مسؤولا عن الاستعمار الغربي. ولا أظن أن باحثا جادا يمكن أن يقبل بهذا المستوى من التبسيط.
ثم تبرز إشكالية أخرى في طريقة الاستدلال، حين تتم الإحالة إلى ما يسمى “وثيقة سنة 1984» باعتبارها دليلًا حاسمًا على أن “حركة النهضة” لم تغادر مرجعياتها الأولى، من غير أن يقدم الكاتب للقارئ المعطيات الأساسية التي تجعل من هذه الوثيقة دليلًا قابلًا للفحص والنقاش. فما طبيعة هذه الوثيقة؟ هل هي وثيقة رسمية معلنة؟ أم نص داخلي مرتبط بمرحلة تاريخية معينة؟ ومن الجهة التي أصدرتها؟ وما مضمونها؟ وما موقعها في مسار الحركة الفكري والسياسي؟
إن ذكر وثيقة غير معرّفة، وكأنها من المسلمات المتداولة أو من الحقائق المعروفة لدى القارئ، لا يكفي لإقامة حجة علمية. فالوثائق لا تكتسب قيمتها بمجرد الإشارة إليها، وإنما من خلال تحديد مصدرها، وسياقها، ومحتواها، وحدود دلالتها. أما تقديمها باعتبارها حقيقة قائمة بذاتها دون عرض مضمونها أو مناقشة ظروفها التاريخية، فإنه يحولها من أداة تحليل إلى مجرد إحالة إيحائية توجه القارئ نحو نتيجة مسبقة.
ثم تأتي المفارقة الأكثر إثارة للاستغراب، حين يدعونا الخطاب إلى الخوف على الأنظمة العربية من هذه الجماعات. وهنا يحق للقارئ أن يتساءل: أي أنظمة يقصد؟ أهي الأنظمة التي عطلت إرادة الشعوب، وصادرت الحريات، وزورت الانتخابات، وكممت الأفواه، وملأت السجون بالمخالفين، وأهدرت الثروات، ورسخت التبعية، وأنتجت هذا الواقع العربي المتردي البائس؟ أي فضيلة بقيت لهذه الأنظمة حتى يصبح الحفاظ عليها واجبا أخلاقيا أو وطنيا؟
بل لعل السؤال الأصدق هو: ما الذي تركته هذه الأنظمة من السيئات حتى نخشى أن تأتي جماعة أخرى فتضيف إليه؟ فإذا كان ميزان الحكم هو الحرية والكرامة والعدل وسيادة القانون، فإن سجل كثير من الأنظمة العربية لا يسمح بتقديمها باعتبارها السد الأخير في مواجهة الاستبداد.
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يكتفي بمعارضة خصومه، بل يعيد إنتاج المنهج نفسه الذي يزعم محاربته. فهو يبدأ بالحقيقة المطلقة، ويصنف الناس وفق قربهم أو بعدهم عنها، ثم يصدر الأحكام النهائية دون أن يترك مجالا للمراجعة أو النقاش. وهذه ليست سمات العقل النقدي، وإنما سمات العقل الدغمائي الذي يحتكر الحقيقة ويعامل المخالف باعتباره متهما حتى يثبت العكس.
ومن هنا تبدو المفارقة مؤلمة؛ فبدل أن نجد خطابا أكاديميا يزن الأفكار بميزان البرهان، نجد خطابا يخلط بين التاريخ والإيحاء، وبين التحليل والدعاية، وبين البحث والموقف الأيديولوجي. والمؤسف أن يصدر هذا المنهج عن أستاذ جامعي، لأن الجامعة يفترض أن تكون آخر الحصون التي تحمي العقل من التبسيط، وآخر المؤسسات التي تحول دون استبدال البرهان بالموقف المسبق. فالعلم لا ينتصر لأيديولوجيا، وإنما ينتصر للحجة، ولا يخشى مراجعة مسلّماته متى قامت الأدلة.
الكاتب محمد العمـــاري





