أراء

الضربات الامريكية-الإسرائيلية على ايران: انعطاف في النظام العالمي.. والشرق الأوسط محور تصادم مصالح بين القوى الدولية

لوبوان-كتب سفيان رجب

اندلعت الحرب غير المفاجئة ضد إيران مع شن ضربات جوية مشتركة من الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع داخل الأراضي الإيرانية، في تصعيد مباشر تجاوز المواجهات السابقة التي اقتصر بعضها على صراعات حدودية أو عبر وكلاء إقليميين او بضربات خاطفة واغتيالات. ليعيش العالم اليوم حربا فعلية انطلقت باستهداف واغتيال اعلى هرم السلطة الإيرانية المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القيادات السياسية والعسكرية الايرانية.

هذا التحول والتصعيد العسكري طوى سنوات من التوتر المتصاعد بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة اخرى، وهو يمثل ذروة في المواجهات التي تراكمت عبر عقود من العقوبات، وبرامج نووية متنازع عليها، وتنافس على النفوذ الإقليمي.

أبعاد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران

تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل-حسب الخطاب الرسمي-إلى تحييد التهديد النووي الإيراني ومنع امتلاك طهران لقدرات عسكرية استراتيجية.

في الوقت نفسه، يرى كثير من المحللين أن الرسائل السياسية تشير إلى رغبة في تغيير بنية النظام الإيراني نفسها، أو إجباره على تنازلات جوهرية، خصوصاً بعد فشل المفاوضات النووية في جنيف ومفاوضات شاملة في عمان.

الهجمات الجوية المشتركة استهدفت مواقع دفاعية ورمزية في إيران، مع إعلان رسمي عن سقوط قيادات في الحرس الثوري، بينما ردت إيران “بضربات مضادة” تتضمن إطلاق صواريخ ومسيرات على إسرائيل وقواعد أمريكية في عدد من دول الشرق الأوسط.

رد إيران جاء سريعا وقويا، مما يشير إلى أن طهران ليست في موقع الردع فقط بل تقف أمام خيارات تصعيد بديلة قد تشمل جبهات متعددة عبر وكلائها الإقليميين.

قلنا ان هذه الحرب لم تكن مفاجئة، باعتبار ان الولايات المتحدة وإسرائيل تتبنيان من مدة منطقا تصعيديا أساسه سردية دفاعية عن النفس ومنع تهديد وشيك، بينما يغلب على الخطاب الأوروبي والدولي “لقلق من اتساع الصراع واحتمالات كارثية إذا تفاقم” وهو موقف أساسه مصالح اقتصادية بالأساس.

وفي حين دعت دول عدة إلى العودة إلى الدبلوماسية وتقليل التصعيد، وهو ما يعكس قلقا عالميا من توسيع نطاق الحرب إلى نزاع إقليمي أو حتى عالمي، فان الأنظار مازالت تتجه نحو روسيا والصين اكبر حلفاء ايران في ظل غياب الموقف أورد الفعل المنتظر مع الاكتفاء بتوصيف ما يجري بانه “اعتداء خطير”.

الشرق الأوسط في قلب المعركة

وفي انتظار التحرك الروسي-الصيني، فان منطقة الشرق الأوسط وجدت نفسها في قلب المعركة ومسرحا لهذا النزاع وطرفا فاعلا في ديناميكية الصراع، من ذلك أن ضربات إيران عبرت حدودها لتطال دولا خليجية ومحاور حيوية مثل مضيق هرمز وطرق الملاحة البحرية، والمطارات وحقول النفط والغاز ما أثار حالة استنفار واسعة.

هذه التطورات تعكس أن الصراع المباشر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد يفتح جبهات فرعية في دول مثل العراق ولبنان واليمن وسوريا، حيث تمثل طهران وِكلاء لها.

التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث النفط العالمي تقريبا، يثير مخاوف اقتصادية عالمية، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى تعطيل سلاسل الإنتاج العالمي. أي حرب طويلة الأمد ستؤدي إلى خسائر هائلة في اقتصادات دول الخليج، وزعزعة مشاريع التنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.

تواجد دول الشرق الأوسط في قلب المعركة، ارجعته إيران والقراءات السياسية بوجود علاقات وتطبيع بين هذه الدول وإسرائيل كما انها تحتضن قواعد ومصالح أمريكية هي المستهدفة، لكن ماذا عن المملكة العربية السعودية الرافضة لأي تطبيع مع إسرائيل والتي لعبت في السنوات الأخيرة الدور الأكبر لتسطير خارطة المواقف والتحركات وفرض واقع دولي واقليمي ولعبت دور المفاوض والمعدل للخيارات والرؤى الامريكية المنفلتة أحيانا.

فالسعودية، بوصفها إحدى أبرز القوى الإقليمية، اتبعت خلال الأزمة مواقف حذرة ومتوازنة، ساعية إلى تجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة وعملت من خلال قنوات دبلوماسية، على التهدئة والحوار وتقليل المخاطر على المنطقة وأمن الطاقة والأسواق العالمية.

كما ان السعودية تواجه تحديا مزدوجا، فمن جهة، تعمل على ترسيخ دورها كقوة إقليمية مستقلة عن صراعات القوى العظمى. ومن جهة أخرى، تحاول الحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية عبر توازن مع الولايات المتحدة، بينما تسعى لتوسيع علاقاتها مع قوى دولية أخرى بما فيها الصين وروسيا.

ومن خلال المؤشرات الراهنة للحرب الجديدة، فان الواضح ان السعودية سيكون لها الدور الأكبر كوسيط دبلوماسي، مستفيدة من علاقاتها الواسعة مع واشنطن وطهران ومجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية والأوروبية والصين وروسيا.كما ستعمل المملكة على الدفع نحو مبادرات أمن جماعية في الخليج تعمل على تقليل فرص الصراع الإقليمي وتحقيق استقرار بعيد المدى. لكن هذا الدور يتطلب تنسيقا عميقا مع شركاء إقليميين ودوليين، وتجنب الابتزاز في حسابات التحالفات العسكرية المباشرة.

في هذا السياق، من المنتظر ان تلعب السعودية دورا محوريا في صياغة مستقبل ما بعد هذا النزاع، وقد تكون أحد الدعائم الأساسية لتحقيق توازن إقليمي واستراتيجي يحد من المخاطر ويخلق آليات تعاون جديدة تعيد تعريف المشهد السياسي في الشرق الأوسط.

مخاطر وفرص في عالم معولم

الوضع الراهن يشير إلى أن الشرق الأوسط لم يعد فقط موقعا لنزاعات بالوكالة، بل أصبح محورا تصادم مصالح كبرى بين قوى دولية. الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني، في حال استمر أو اتسع، يحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة لتشمل الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي

فجزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية يمر عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي. أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة فيه لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة، بل يعني موجة تضخم عالمية جديدة، خصوصًا في الاقتصادات الصناعية، ضغطا على سلاسل الإنتاج في آسيا وأوروبا، اضطرابا في أسواق المال والعملات…

ففي عالم معولم، لم تعد أزمة الطاقة مسألة إقليمية؛ بل تتحول بسرعة إلى أزمة غذاء ونقل وصناعة، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي في دول بعيدة جغرافيا عن ساحة الحرب. فدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والمواد الغذائية. ومع أي اضطراب في الشحن البحري أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ترتفع أسعار الغذاء محليا وعالميا.

والأمر لا يتوقف عند حدود المنطقة؛ إذ إن الأسواق العالمية مترابطة. فارتفاع تكاليف الطاقة يؤثر في كلفة الزراعة والإنتاج الغذائي عالميا، ما يخلق حلقة تضخمية متداخلة. وهذا يعيد إلى الأذهان كيف أن أزمات إقليمية سابقة تحولت إلى أزمات عالمية بسبب الترابط الاقتصادي.

وفي حال توسع النزاع، قد نشهد انتشارا عسكريا أوسع في البحر الأحمر والخليج العربي وشرق المتوسط. وهنا يدخل لاعبون دوليون آخرون بشكل مباشر، مثل روسيا والصين، اللتين ترتبطان بمصالح استراتيجية في الطاقة والملاحة والتجارة.

هذا التحول قد يعيد إنتاج مشهد “توازن الرعب البحري”، حيث يصبح كل تحرك عسكري في المياه الدولية رسالة استراتيجية عالمية، وليس مجرد رد فعل إقليمي.

إعادة تشكيل التحالفات الدولية

ان التصعيد الحالي قد يسرّع عملية إعادة تموضع دول عديدة بين محاور دولية متنافسة. بعض الدول قد تميل إلى تعزيز تحالفها مع واشنطن، فيما قد ترى أخرى فرصة لتوسيع شراكاتها مع بكين أو موسكو.

هذا المشهد يعكس انتقال النظام الدولي من أحادية قطبية إلى تعددية متنافسة، حيث يصبح الشرق الأوسط مختبرا عمليا لتوازنات القرن الحادي والعشرين. وقد تدفع المخاطر المشتركة دول المنطقة إلى التفكير في صيغة أمن جماعي تقلل من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية. فإدراك أن الحرب الشاملة مكلفة للجميع قد يكون حافزا لإعادة التفكير في بنية الأمن الإقليمي.

والواضح ومن خلال الحرب الجديدة في المنطقة، أصبح الشرق الأوسط مفصلا استراتيجيا في بنية العولمة؛ حيث تتلاقى الطاقة مع الجغرافيا السياسية، والتجارة مع الأمن، والاقتصاد مع العقيدة. ومن هنا، فإن إدارة هذا الصراع-سواء عبر التصعيد أو الاحتواء-لن تحدد مستقبل المنطقة فقط، بل ستسهم في رسم ملامح النظام الدولي لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى