تونس-لوبوان-كتب سفيان رجب
تحيي تونس اليوم 18 أفريل عيد قوات الامن الوطني، وهي مناسبة يتم خلالها الاعتراف بتضحيات رجال ونساء حملوا على عاتقهم حماية الدولة والمجتمع على مدى سنوات. لكن خلف هذا الاحتفاء، هناك من بين هؤلاء من تعرض للظلم والقهر في ظل تعدد الأنظمة التي حكمت تونس في سنوات ما بعد الثورة وكل له ملفات ونظريات ومصالح وتصفية حسابات وبالتأكيد النتيجة مظالم يكون فيها رجل امن… ضحية لمنظومة يفترض انه خدمها باعتبار نظرية وفرضية استمرار الدولة.
من بين هذه الملفات نذكر ويذكر المجتمع التونسي، قضية العقيد لطفي القلمامي فهي ليست مجرد ملف اداري عالق، بل قصة ظلم طويل امتد لاكثر من عقد، رغم صدور احكام قضائية باتة لصالحه.
خطأ اداري… يتحول الى مأساة مهنية
تعود جذور القضية الى سنة 2011، في سياق ما سماه البعض آنذاك بـ”تطهير” وزارة الداخلية، حين تم احالة عشرات الاطارات الامنية على التقاعد الوجوبي بقرار من وزير الداخلية الاسبق فرحات الراجحي وبإيعاز من اطراف جاءت بحسابات شخصية انتقامية.
ضمن هذه القائمة، وجد العقيد القلمامي نفسه ضحية خطأ اداري جسيم ادى الى انهاء مسيرته المهنية دون وجه حق.
ورغم ان القضاء لاحقا برأه من كل ما نسب اليه وقضى باسترداده لحقوقه المادية والمعنوية، فان الضرر كان قد وقع، مسار مهني توقف، وسمعة تعرضت للاهتزاز، وحقوق جمدت.
القضاء انصف… لكن الدولة لم تنفذ
في سنة 2013، اصدرت المحكمة الإدارية التونسية حكما نهائيا يقضي بإلغاء قرار احالته على التقاعد الوجوبي، مع الامر بإرجاعه الى عمله. لم يكن ذلك حكما ابتدائيا فحسب، بل تأكد في طور الاستئناف، ليصبح قرارا باتا وواجب التنفيذ.
لكن المفارقة الصادمة ورغم وضوح الحكم وقوته القانونية، لم يتم تنفيذه الى اليوم، وفق ما تؤكده تقارير اعلامية وشهادات متكررة وتواصل مطالب المتضرر.
هذا التعطيل لم يكن عابرا، بل استمر سنوات، ما دفع القلمامي الى توجيه رسائل انصاف الى اعلى هرم السلطة، والى اللجوء مجددا للقضاء ضد مسؤولين في وزارة الداخلية.
اعتراف ضمني… دون انصاف فعلي
اللافت في هذا الملف، ان عديد المسؤولين، وحتى بعض وزراء الداخلية الذين تعاقبوا على الوزارة، اقروا بوجود مظلمة في حق العقيد القلمامي. بل ان وزير الداخلية الاسبق توفيق شرف الدين استقبله، وتم خلال اللقاء التأكيد على ضرورة تفعيل الحكم القضائي الصادر لفائدته.
لكن، ورغم هذا الاعتراف الضمني، ظل التنفيذ معلقا… وكأن الدولة تعترف بالخطأ، لكنها تعجز – او ترفض – تصحيحه.
عندما تهتز هيبة الدولة من الداخل
قضية العقيد القلمامي تتجاوز بعدها الفردي، لتطرح اشكالا اخطر، فما معنى دولة قانون، اذا كانت احكام القضاء لا تنفذ؟
في الدول الحديثة، يعتبر تنفيذ الاحكام القضائية من اسس هيبة الدولة. لكن في هذه الحالة، نجد ان حكما نهائيا ظل معطلا لسنوات، في تناقض صارخ مع ابسط مبادئ العدالة.
الاخطر من ذلك، ان المعني بالامر ليس مواطنا عاديا فقط، بل اطار امني خدم الدولة، ما يجعل الرسالة سلبية داخل المؤسسة نفسها:هل يحمي القانون من يحمي الدولة؟
عيد الامن… ام لحظة مكاشفة؟
اليوم وفي يوم عيد قوات الامن الوطني، لا يكفي الاحتفاء بالشعارات.فالاعتراف الحقيقي بتضحيات الامنيين يمر ايضا عبر انصاف من ظلموا داخل المنظومة
وتنفيذ احكام القضاء دون انتقائية مع محاسبة المسؤولين عن التعطيل.
وقضية العقيد لطفي القلمامي ليست مجرد ملف قديم، بل امتحان حي لمدى احترام الدولة لقوانينها.
فبين حكم قضائي منصف لم ينفذ، واعتراف رسمي لم يتحول الى قرار، تبقى قصة القلمامي جرحا مفتوحا في جسد دولة يفترض انها قامت بعد الثورة على مبادئ العدالة والشفافية.وفي انتظار تنفيذ حكم قضائي واضح منذ اكثر من عشر سنوات، يظل السؤال قائما، من يعيد الاعتبار لرجل انصفه القضاء… وتركته الادارة معلقا بين الحق والواقع؟





