أراء

“فيتو” أمريكي على الحرب… تعديل تكتيكي في مسار حرب متسارعة فرضته دبلوماسية وسياسة الجوار

تونس-لوبوان-كتب سفيان رجب

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف استهداف منشآت الطاقة الإيرانية مجرد تعديل تكتيكي عابر في مسار حرب متسارعة، بل يعكس تحولا أعمق في إدراك واشنطن لخطورة الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود إيران لتطال قلب المنظومة الطاقية العالمية. فـ”أربعاء عسلوية” لم يكن حدثا عسكريا معزولا، بل لحظة كاشفة أعادت رسم خطوط التوازن بين الفعل ورد الفعل في منطقة شديدة الحساسية.

عسلوية.. حين يتحول التصعيد إلى إنذار شامل

الهجوم على حقل عسلوية، أحد أبرز مراكز الغاز في إيران، لم يمر كضربة تقليدية ضمن تبادل الرسائل العسكرية، بل فتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة: استهداف متبادل لمنشآت الطاقة. هذا التحول النوعي يعني أن أي مواجهة لاحقة لن تبقى محصورة بين أطراف النزاع المباشرين، بل ستمتد تلقائيا إلى دول الجوار، خاصة الخليجية منها، حيث تتداخل الجغرافيا مع المصالح الحيوية للأسواق العالمية.

واشنطن، التي تابعت عن كثب تداعيات الضربة، أدركت أن استمرار هذا المسار قد يخرج عن السيطرة. فالمعادلة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت اقتصادية بامتيازوأي اضطراب في إمدادات الطاقة سيعني ارتفاعا جنونيا في الأسعار، وانعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الداخل الأمريكي.

رأس لفان، جرس إنذار إقليمي

فالهجوم الذي استهدف مدينة رأس لفان الصناعية في قطر أكد أن التحذيرات لم تكن مجرد فرضيات. فانتقال النيران من عسلوية إلى محيط الخليج يثبت أن “أمن الطاقة” بات كتلة واحدة لا تقبل التجزئة. أي ضربة في طرف المنظومة تعني اهتزازها بالكامل.

هذا التطور وضع الإدارة الأمريكية أمام واقع جديد وهو أن حماية الحلفاء لم تعد خيارا سياسيا فقط، بل ضرورة استراتيجية لتفادي انهيار منظومة الطاقة العالمية، وهو ما يفسر جزئيا سرعة التحرك لاحتواء التصعيد.

الصوت العماني، دبلوماسية العقل في زمن التوتر

ووسط هذا المشهد المتوتر، برز موقف بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العماني كأحد أهم الأصوات الداعية إلى إعادة التوازن. في مداخلاته وتصريحاته وخاصة مقاله في “الايكونوميست” ، لم يكتف الوزير العماني بتشخيص الأزمة، بل قدم مقاربة بديلة تقوم على ثلاث ركائز أساسية:

  • أولا، التأكيد على أن استهداف البنية الطاقية يخرج الصراع من إطاره السياسي إلى مستوى تهديد الاستقرار العالمي.
  • ثانيا، التحذير من فقدان السيطرة على مسار التصعيد، خاصة مع تعدد الفاعلين وتضارب الحسابات.
  • ثالثا، الدعوة إلى استعادة الدبلوماسية كأداة رئيسية لإدارة الأزمات بدل الانجرار وراء منطق الردود المتبادلة.

هذه المقاربة لم تكن خطابا مثاليا بقدر ما كانت قراءة واقعية لموازين القوى. فسلطنة عمان، التي راكمت تجربة طويلة في الوساطة وهي التي تحملت وزر منع الوصول الى ما آل اليه الوضع الراهن باحتضانها للمفاوضات الامريكية الإيرانية قبيل اندلاع الحرب الراهنة، تدرك أن الحروب في الخليج لا تنتهي بانتصار طرف، بل بخسارة الجميع.

السعودية: دبلوماسية الندّ للند لحماية استقرار الخليج

في موازاة الحراك العماني، برز الدور الذي تقوده المملكة العربية السعودية كأحد الأعمدة الرئيسية في ضبط إيقاع الأزمة، ليس فقط بحكم ثقلها الاقتصادي والطاقي، بل أيضا من خلال مقاربة دبلوماسية تقوم على مبدأ “الندّ للند” في التعاطي مع القوى الكبرى. فقد حرصت الرياض على إيصال رسالة واضحة مفادها أن أمن الخليج ليس ورقة تفاوض، بل خط أحمر يرتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي. وهو ما اغضب ترامب الذي لم يتردد في انتقاد المواقف السعودية خاصة في خطابه الأخير…

توجه الرياض لم يكن تصعيديا بقدر ما كان تعبيرا عن نضج سياسي متقدم، حيث جمعت السعودية بين الحزم في حماية مصالحها الاستراتيجية والانفتاح على الحلول الدبلوماسية. كما ساهمت في تنسيق المواقف الخليجية، بما عزز وحدة الخطاب الإقليمي وأعطى وزنا أكبر للرسائل الموجهة إلى واشنطن. وفي هذا السياق، لم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة علاقة تبعية تقليدية، بل شراكة تعاد صياغتها على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ.

إن هذا الحضور السعودي الفاعل، إلى جانب الصوت العماني، يعكس تحولا لافتا في موازين التأثير داخل المنطقة، حيث باتت العواصم الخليجية قادرة على فرض أولوياتها، ليس فقط لحماية أمنها، بل أيضا لضمان استقرار أسواق الطاقة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات مفتوحة لا رابح فيها.

من الضغط الخليجي إلى إعادة حسابات واشنطن

المواقف الصادرة عن عواصم الخليج، من مسقط إلى الرياض والدوحة وأبوظبي والمنامة والكويت، الى جانب مواقف القاهرة وعمّان، شكلت ما يشبه “الضغط الهادئ” على واشنطن. لم يكن الهدف تحديد الحليف الأمريكي، بل تنبيهه إلى أن استمرار التصعيد يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

هنا تحديدا تلتقي الدبلوماسية الخليجية مع الطرح العماني والرؤية السعودية، لا يمكن إدارة صراع بهذا الحجم دون احتساب كلفته الإقليمية. وهو ما يبدو أن البيت الأبيض بدأ يستوعبه، خاصة مع تزايد المؤشرات على احتمال توسع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية في دول حليفة.

قرار ترامب، براغماتية أم استجابة للواقع؟

وبالعودة الى قرار دونالد ترامب بوقف ضربات الطاقة، يمكن قراءة هذا القرار من زاويتين متكاملتين:

  • من جهة، هو تعبير عن براغماتية سياسية واقتصادية، إذ يدرك ترامب أن استقرار أسعار الطاقة عنصر أساسي في معادلاته الداخلية.
  • ومن جهة أخرى، يعكس استجابة لضغط إقليمي عقلاني نجح في نقل النقاش من منطق “الرد العسكري” إلى منطق “إدارة المخاطر”.

لكن الأهم من ذلك، أن هذا القرار قد يشكل بداية لإعادة تموضع أمريكي، يعيد الاعتبار للدبلوماسية بعد مرحلة من العنجهية واستعراض القوة والانخراط غير المحسوب في مسارات التصعيد.
والأكيد أن قرار وقف استهداف منشآت الطاقة ليس نهاية الأزمة، لكنه مؤشر على أن منطق التهدئة بدأ يجد له مكانا في حسابات القوى الكبرى. وفي قلب هذا التحول، يبرز صوت العقل القادم من مسقط، وصوت الثقة والقوة القادم من الرياض كأحد العوامل التي ساهمت في إعادة توجيه البوصلة نحو تجنب الأسوأ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى