أراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

التصعيد العسكري الامريكي-الاسرائيلي مع ايران : هل نعيش “الفصل الأخير” قبل إعلان الهدنة؟

لوبوان تي ان:

 

يُطرح اليوم تساؤل جوهري حول طبيعة الانفجار العسكري اللافت الذي شهدته المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في الساعات الماضية؛ فهل نحن أمام انزلاق نحو حرب شاملة، أم أن هذا التصعيد ليس سوى “المرحلة التمهيدية” التي تسبق لحظة الانتقال من لغة المدافع إلى طاولات التفاوض؟ إن القراءة المتأنية لمسارات الحروب المعاصرة تشير إلى أن بلوغ الذروة في المواجهة غالباً ما يكون المؤشر الأقوى على اقتراب نهايتها، حيث يجري العمل خلف الكواليس على صياغة بنود وقف إطلاق نار تفرضها حقائق الميدان وحسابات السياسة المعقدة.

ويستند هذا التقدير إلى جملة من المؤشرات البنيوية التي تكررت في تجارب دولية سابقة، أولها أن التصعيد العسكري في اللحظات الأخيرة غالباً ما يكون أداة لتحسين المواقع التفاوضية، حيث تسعى الأطراف المتحاربة إلى فرض واقع ميداني جديد يتيح لها تعديل بنود الاتفاق المرتقب لصالحها، أو على الأقل ضمان شروط أكثر مرونة عند الجلوس على طاولة التسوية. ويتزامن هذا الضغط العسكري مع تحول لافت في الخطاب السياسي الذي بدأ ينزاح تدريجياً من منطق “الحسم العسكري المطلق” إلى الحديث عن “شروط إنهاء العمليات”، وهو انتقال يعكس عادة وجود مسار تفاوضي غير معلن بدأ ينضج في الغرف المظلمة.

ولا يمكن فهم هذا النمط من التصعيد دون العودة إلى ما يسميه بعض الباحثين في دراسات الصراع بـ “تصعيد اللحظة الأخيرة”، وهو تكتيك شهدته عدة نزاعات دولية خلال العقود الماضية. ففي كثير من الحالات، تسعى الأطراف المتصارعة إلى بلوغ أقصى مستوى من الضغط العسكري قبل لحظة التسوية، ليس فقط لتحقيق مكاسب ميدانية، بل أيضاً لإعادة تشكيل السردية السياسية للحرب. فالاتفاقات التي تنهي النزاعات لا تُبنى فقط على موازين القوى العسكرية، بل كذلك على كيفية تقديم تلك الموازين للرأي العام الداخلي والدولي.

ومن هذا المنظور، يصبح التصعيد العسكري أداة مزدوجة الوظيفة؛ فهو من جهة وسيلة ضغط تفاوضي، ومن جهة أخرى عملية إعادة إنتاج للشرعية السياسية لدى الأنظمة المنخرطة في الحرب. فكل طرف يحتاج إلى إقناع جمهوره بأن التضحيات لم تذهب سدى، وأن الانتقال إلى التهدئة ليس تنازلاً بل نتيجة “إنجاز استراتيجي”.

في السياق ذاته، يبدو أن التركيز الأمريكي الإسرائيلي المكثف على تسويق “الإنجازات الميدانية” يمثل مؤشراً ثالثاً لا يستهان به؛ فهذا الخطاب الموجه للداخل يهدف بالأساس إلى تبرير الكلفة الباهظة للحرب وإقناع الرأي العام بأن الأهداف الاستراتيجية قد تحققت بالقدر الذي يسمح بالانتقال إلى مرحلة التهدئة. وما يعزز هذا التوجه هو تراجع سقف الأهداف المعلنة، حيث اختفى خطاب “إسقاط النظام” ليحل محله منطق “إعادة ضبط موازين القوى” وتقليص النفوذ، وهو تحول بنيوي يمهد الطريق أمام تسويات سياسية واقعية تتجنب الدخول في مغامرات غير مأمونة العواقب.

كما أن طبيعة الصراع الحالي تضيف بعداً آخر أكثر تعقيداً، إذ لا يجري التنافس بين أطراف مباشرة فحسب، بل ضمن شبكة إقليمية من الفاعلين غير المباشرين، حيث تتداخل حسابات القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية. وفي مثل هذه البيئات المعقدة، تصبح الحرب أحياناً أداة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية أكثر منها محاولة لحسم عسكري نهائي.

وعلى الضفة الأخرى، لا يمكن إغفال الضغوط الاقتصادية الدولية التي بدأت تفرض نفسها كعامل حسم إضافي، فالمخاوف المتعلقة بملفات الطاقة واستقرار أسعار النفط، واحتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز، تحولت إلى “كوابيس” اقتصادية عابرة للحدود، مما يدفع القوى الكبرى للبحث عن مخرج سياسي سريع تفادياً لهزة اقتصادية عالمية قد تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء. ويضاف إلى ذلك أن النظام الدولي الحالي، الذي يتسم بدرجة عالية من الترابط الاقتصادي، يجعل الحروب الطويلة بين قوى مؤثرة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية مكلفة بدرجة يصعب تحملها. ولذلك فإن القوى الدولية الكبرى غالباً ما تسمح بقدر من التصعيد المحسوب، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى منع انزلاقه إلى حرب مفتوحة قد تعطل الاقتصاد العالمي أو تدفع مناطق أخرى إلى الاشتعال.

وبناءًا على هذه المعطيات المتداخلة، يمكن الاستنتاج بأن التصعيد الأخير قد لا يكون وقوداً لحرب أطول، بل هو الأمتار الأخيرة في سباق ماراثوني نحو وقف إطلاق النار، رغم أن واقع الحروب يظل دائماً قابلاً لانعطافات مفاجئة قد تكسر قواعد التقدير السياسي في أي لحظة. وفي ضوء هذه المعادلة المركبة، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد يدور حول ما إذا كانت المواجهة ستنتهي، بل حول شكل النهاية وحدودها: هل سنشهد هدنة مؤقتة تعيد إنتاج التوتر في دورات لاحقة، أم تسوية أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك في الإقليم؟ ذلك أن تاريخ الصراعات في الشرق الأوسط يبين أن كثيراً من الحروب لا تنتهي فعلياً، بل تتحول إلى مراحل متقطعة من التصعيد والتهدئة ضمن صراع أطول على النفوذ والردع.

هاجر وأسماء 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى