أراء

معادلات الحرب الوجودية أمام خيارات تغيير قادم

 

بقلم احمد جديدي

دقت الساعة صفر بإنطلاقة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هذه المرة تختلف فيها العناوين والأهداف والرمزية إذ لا تقتصر على إستهداف القدرات العسكرية أو المنشئات النووية فحسب بل تتعداها لتعلنها أن الهدف الأساسي من وراء العملية هو الإجهاز على النظام الإيراني مرة واحدة مروجين في ذلك أن ما أقدموا عليه ليس عدوان بقدر ما هو فرصة ذهبية وتاريخية لتخليص الشعب الإيراني من نظامه و تحريره .

سردية تقوم على مزج الماضي بالحاضر، قريب كان أو بعيد، فالبعيد الغابر جاء على لسان ناتنياهو في حديثه عن قائد يهودي طرد من بلاد فارس ليجمع شتاته من جديد ويحقق نصره على من طردوه وهي رواية غير مؤكدة تاريخيا، أما القريب نطق به ترامب عندما أعاد إستعمال مصطلحي “حرب التحرير” -من سيحرر من ؟ ومن من؟ ومن أجل ماذا؟- وهي نفس المصطلحات التي سمعناها قبيل بدأ الحرب ضد صدام حسين ونظامه في العراق سنة 2003 حيث إرتكزت الدعاية الأمريكية في ترويجها لعدوانها أنذاك على أنه مجرد عملية لإزاحة خطر يعيق  الإرساء الديمقراطي في العراق والمنطقة العربية كافة،لكنها أفرزت في الأخير كارثة إنسانية وإجتماعية وسياسية وعقدية وخيمت بظلال الموت والقتل خلافاً لما روجته الدعاية .

الرمزية والدلالة التاريخية لم تتوقفا عند عتبة ما قاله ترامب أو ناتنياهو بل كانت حاضرة بقوة في تسمية العملية، أطلق عليها “زئير الأسد” محملة بمعاني قوانين الغاب،قوانين التصفية والصيد والإفتراس حيث البقاء للأقوى ومن يبسط السيطرة والنفوذ .

هذه المرة لم تكن مجرد ضربة خاطفة بل لأول مرة تتفق كل من أمريكا وإسرائيل على البدأ بحرب مفتوحة تستهدف ما أسمته ب”الخطر المهدد للوجود الإسرائيلي” بعد أن كان بنك أهدافهم سابقاً حلفاء إيران في الدول العربية مثلما حصل في سوريا أو تصفية قيادات متواجدين في هذه الدول كقاسم سليماني ،أو محاولة تأجيج الأوضاع وتفجير الإنتفاضات من الداخل تحت شعارات الإنعتاق والتحرر مثلما حصل منذ شهرين ، بل ووصلت حدة الضربات نحو تحييد حلفاء طهران في المنطقة العربية وإستهداف مناطق نفوذها وأذرعها وهو ما حدث مع حزب الله حيث تمت تصفية كافة قياداته من الصف الأول والثاني وتدمير قدراته العسكرية بشكل كبير لكن إيران كانت تعمل دائما على إمتصاص الضربات ومحاولة تصديرها ومواصلة تطوير قدراتها العسكرية وبرنامجها النووي و العودة لطاولة المفاوضات من جديد لإيجاد صيغة ربحاً لمزيد الوقت ومحاولة خلق مساحات مناورة أخرى تبعد عنها كل إستهداف في العمق أو الداخل .

هل تنجح نظرية “الصبر الإستراتيجي ” هذه المرة أمام أبواب حرب وجود مفتوحة على مصرعيها؟؟

إستهداف النظام الإيراني رأسا لم ينطلق مع هذه الحرب بل بدأ بصفة رسمية عندما تمت تصفية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية ورئيس المخابرات منذ سنتين عقبتها بعد ذلك إستهداف حزب الله اللبناني في الضاحية الجنوبية وتصفية حسن نصر الله الذي يمثل إمتدادا عسكريا وعقديا لطهران ثم تقويض النظام السوري بقيادة الأسد لتصل الإختراقات حد إغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية على أراضيها بإحداثيات دقيقة مثل ما حدث مع إسماعيل هنية تلتها إغتيالات أخرى في العمق الإيراني لقيادات من الحرس الثوري في حرب الإثنى عشرة يوم كل هذه المؤشرات لم تترك للنظام خيار هذه المرة للعب أوراق ضغط أو المناورة داخل خط دفاع خارجي تم تدميره أو التشبث ب”الصبر الإستراتيجي” فالمطلوب اليوم والمعلن للعالم هو الإطاحة بالنظام والإجهاز عليه وهو لا يفتح نحو تغيير بسيط كما يعتقده البعض أو بهكذا سهولة بل في صورة سقوطه قد يهدد كينونة ووحدة الدولة الإيرانية التي قد تذهب نحو التفكك والتقسيم والتمزق حيث كل العوامل والظروف الداخلية قائمة منها الإختلاف العرقي والمذهبي والضغائن السياسية و التأزم الإقتصادي على خلفية الحصار القائم وهو ما يجعل إيران اليوم تلعب كافة أوراقها في حرب هي على قناعة أنها حرب وجود حرب مصيرية لن تكون المعادلة عند نهايتها كما قبل إنطلاقتها في المنطقة و العالم ،لذلك سارعت بالرد مباشرة دون إنتظار كما فعلت في السابق و أصرت على إستهداف أكبر عدد ممكن من القواعد الأمريكية في المنطقة لتوسيع رقعة الحرب لكن لا ندري إن كانت قادرة على مجاراة كل هذه الجبهات.

هل تذهب الحرب في نهج ما خطط له القيادات وأصحاب القرار في مكاتبهم؟

الواضح أن الأمريكي لن يقف مكتوف الأيدي بعد إستهداف قواعده في الخليج العربي ولا الإسرائيلي سيتراجع عن فرصة ذهبية من أجل حلم الإجهاز على عدوه الوجودي “الخطر الوجودي ” لكن الحرب المرسومة في مكاتب القيادات قد تجد لنفسها عقبات أخرى ،فالإيراني الذي يلعب ورقته الأخيرة سيراهن من جديد على إعادة إنجاح خطة إستنزاف إسرائيل بإستهداف داخلها  عبر الصواريخ التي إستمرت في التهاطل في حرب 12يوم وإلحاق الأذى المادي بالبنية التحتية وحتى النفسية للمواطن الإسرائيلي حيث تعمل إيران على إعادة تأجيج الإحتجاجات هناك المطالبة بوقف الحرب والداعية لمحاسبة ناتنياهو والإطاحة به من منصبه فقد فاقت مطالب التعويض المادي للحكومة في الحرب الأخيرة 70 ألف طلب .

نفس الإستراتيجية سيعتمدها النظام الإيراني مع ترامب الذي يشهد تراجعاً في شعبيته فاقت 30% ومعارضة داخلية من قبل الديمقراطيين وكبار شخصيات إعتبارية .

الحرب التي إنطلقت بضربات جوية إذا فشلت قد تقلب المعادلة وتعيد أحاسيس الإحباط لكل من ناتنياهو وترامب ستكون تكاليفها باهضة هذه المرة داخل العمقين الشعبيين الأمريكي والإسرائيلي خاصة لما أقدم عليه الشعب الأمريكي من إحتجاجات ضد إنخراط الجيش في حرب الإبادة على غزة وتكاليف الإسناد العسكري في ذلك ،متجنبة السيناريو الأسواء وهو الإجتياح البري  .

تبقى هذه الحرب مفتوحة على كافة الإحتمالات لكن نهايتها ستغير كفة وترجح أخرى وفي كلتا الحالتين لن يكون المشهد نفسه ولن تبقى الأطراف المتحاربة في مكانها قبل نشوبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى