ثقافة

The Jacksons في قرطاج… عندما يعود مايكل جاكسون إلى تونس عبر الذاكرة

لوبوان – كتب سفيان رجب

لم يكن مساء الأحد في المسرح الأثري بقرطاج مجرد حفل موسيقي جديد ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كان رحلة جماعية في الذاكرة، ولقاءً استثنائيا بين جمهور تونسي احتفظ بحنينه إلى موسيقى صنعت وجدان أجيال، وعائلة موسيقية غيّرت تاريخ البوب في العالم.

فبعد ثلاثين عاما تقريبا على الزيارة التاريخية التي قام بها ملك البوب مايكل جاكسون إلى تونس سنة 1996، عندما أحيا حفله الشهير بقبة المنزه ضمن جولته العالمية HIStory World Tour، عاد اسم جاكسون ليحتل المشهد الفني التونسي، لكن هذه المرة من خلال The Jacksons، الفرقة التي انطلقت منها الحكاية، والتي كتبت منذ ستينيات القرن الماضي أحد أهم فصول الموسيقى العالمية.

لم يكن الجمهور الذي ملأ مدرجات قرطاج يبحث فقط عن الاستماع إلى أغنيات يعرفها عن ظهر قلب، بل كان يبحث عن استعادة زمن كامل، زمن كانت فيه الموسيقى حدثا جماعيا، وكانت أغنيات I Want You Back وABC وShake Your Body (Down to the Ground) تعبر القارات لتوحد ملايين المستمعين مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم.

قبل العرض… مهرجان خارج المسرح

اللافت أن الحفل بدأ فعليا قبل ساعات من صعود أعضاء الفرقة إلى الركح.

ففي الساحة الخارجية للمسرح الأثري، تحولت الأجواء إلى احتفال مفتوح بمايكل جاكسون وعائلته. عشرات الشبان والشابات أدوا الرقصة الشهيرة التي ارتبطت بأسطورة البوب، بينما ارتدى كثيرون القبعة السوداء الشهيرة، وقفازات بيضاء وأزياء مستوحاة من أشهر إطلالاته.

كما خُصصت شاشة عملاقة لبث صور ومقاطع أرشيفية لمايكل جاكسون، فتحولت إلى فضاء لالتقاط الصور واستحضار الذكريات، وكأن الجمهور كان يستعد لاستقبال روح مايكل قبل استقبال إخوته.

عرض بصري يليق بتاريخ الفرقة

على ركح قرطاج، لم تكتف الفرقة بالغناء.

فالعرض اعتمد على توليفة متكاملة من الموسيقى والكوريغرافيا والإضاءة والمؤثرات البصرية والفيديوهات الأرشيفية التي أعادت سرد مسيرة واحدة من أكثر العائلات تأثيرا في تاريخ الموسيقى الحديثة.

ورغم مرور أكثر من خمسة عقود على انطلاق التجربة، حافظ أعضاء الفرقة على ذلك الانسجام الذي ميزهم منذ أيام The Jackson 5.

الرقص ظل جزءا من هوية العرض، وليس مجرد عنصر مكمل للموسيقى.

فكل عضو احتفظ بأسلوبه الخاص في الحركة والتعبير، بينما ظل الإيقاع هو اللغة المشتركة التي جمعت الفنانين بالجمهور.

صحيح أن الزمن يترك أثره على الأجساد، لكن الفن كان، مرة أخرى، أقوى من الزمن.

فالجسد هنا لم يكن مجرد وسيلة للأداء، بل مساحة يكتب عليها الفنان محاولته الدائمة للتحرر، تماما كما فعلت عائلة جاكسون منذ بداياتها.

من غاري إلى العالم

قصة The Jacksons ليست مجرد قصة فرقة موسيقية.

إنها قصة عائلة آمن الأب جوزيف جاكسون بموهبة أبنائه منذ طفولتهم، فجمعهم في بداية الستينيات بمدينة غاري بولاية إنديانا الأمريكية، قبل أن يتحولوا لاحقا إلى ظاهرة موسيقية عالمية باسم The Jackson 5.

ومع نهاية الستينيات، وقعت الفرقة عقدها مع شركة Motown Records، لتبدأ مرحلة غير مسبوقة من النجاح.

كانت أول أربعة أعمال تصدرها الفرقة تحتل مباشرة المرتبة الأولى في ترتيب Billboard Hot 100، وهو إنجاز غير مسبوق آنذاك، لتصبح أسماء مثل ABC وI Want You Back وThe Love You Save وI’ll Be There علامات فارقة في تاريخ موسيقى البوب والسول وR&B.

وفي منتصف السبعينيات، وبعد انتقالها إلى شركة Epic Records، أصبح اسمها الرسمي The Jacksons، قبل أن يبلغ نجاحها ذروته مع ألبوم Victory سنة 1984 والجولة العالمية التي حملت الاسم نفسه.

مايكل… الغائب الحاضر

ورغم أن مايكل جاكسون اختار منذ أواخر السبعينيات مسارا فنيا منفصلا قاده إلى أن يصبح الفنان الأكثر تأثيرا في تاريخ البوب، فإن حضوره في سهرة قرطاج كان طاغيا.

لم يكن موجودا جسدا، لكنه كان حاضرا في كل شيء.

في الصور…

في الفيديوهات…

في الرقصات…

وفي تصفيق الجمهور.

وقد خصصت الفرقة لحظة مؤثرة لتكريم أفراد العائلة الذين رحلوا، وهم الأب جوزيف جاكسون، وتيتو جاكسون الذي سبق أن صعد إلى ركح قرطاج سنة 2022، إضافة إلى مايكل جاكسون.

ومع أداء أغنية Gone Too Soon، خيمت على المسرح لحظة امتزج فيها الصمت بالتصفيق، وتحول الحنين إلى بطل حقيقي للسهرة.

جمهور من أجيال مختلفة

من بين أكثر ما ميز الحفل، تنوع جمهوره.

فلم يكن الحاضرون فقط ممن عاشوا سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل حضرت أيضا أعداد كبيرة من الشباب الذين ولدوا بعد رحيل مايكل جاكسون، لكنهم يعرفون أغانيه كما يعرفها آباؤهم.

وربما هنا يكمن سر هذه العائلة الموسيقية.

فهي لم تعد ملكا لجيل واحد.

لقد أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للموسيقى العالمية.

ولهذا ظل الجمهور واقفا في معظم فترات الحفل، يغني ويرقص ويصفق، وكأنه يشارك الفرقة في كتابة فصل جديد من تاريخها.

قرطاج… حين تتحول الموسيقى إلى ذاكرة مشتركة

نجحت سهرة The Jacksons فنيا وجماهيريا، لكنها نجحت أيضا في تذكير الجميع بأحد أهم أدوار مهرجان قرطاج الدولي.

فالمهرجان لا يكتفي باستضافة نجوم العالم، بل يصنع جسورا بين الثقافات والأجيال، ويمنح الجمهور فرصة للقاء أسماء صنعت تاريخ الفن العالمي.

ولعل أهم ما خرج به جمهور تلك الليلة، لم يكن فقط الاستماع إلى أغنيات خالدة، بل الإحساس بأن الموسيقى الحقيقية لا يحدها الزمن.

فالأغاني قد تُكتب في ستينيات القرن الماضي، لكنها تستطيع بعد أكثر من نصف قرن أن تجعل آلاف الأشخاص يرقصون بالفرح نفسه، ويغنون بالكلمات نفسها، ويستعيدون الذكريات ذاتها.

وهكذا، لم يكن حفل The Jacksons مجرد عرض ضمن برنامج الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كان احتفاءً بقوة الفن على هزيمة الزمن، وتأكيدًا جديدًا أن الموسيقى، عندما تكون صادقة، لا تشيخ أبدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى