لوبوان تي ان:
ليست هذه أرقاماً من خيال كاتب ساخر، ولا من رواية ديستوبية، بل هي أرقام رسمية وردت في التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025، الذي سلّمه محافظ البنك المركزي إلى رئيس الجمهورية. أرقام باردة في ظاهرها… لكنها ساخنة كالجمر في معناها.
التقرير يقول إن التحويلات المالية المخصصة للدراسة والتربصات الأكاديمية بالخارج بلغت 658 مليون دينار سنة 2025، بعد أن كانت 507,3 مليون دينار سنة 2024، أي بزيادة تناهز 30 بالمائة في عام واحد فقط.
يا له من رقم جميل… لو كان استثماراً أجنبياً دخل تونس. لكنه، للأسف، استثمار تونسي يغادر تونس.
ويضيف التقرير أن أكثر من 30 ألف طالب تونسي يدرسون اليوم في الخارج، وأن فرنسا ما تزال الوجهة الأولى، تليها ألمانيا التي استقبلت نحو 7 آلاف طالب تونسي. وكأن المطارات أصبحت الجامعات الحقيقية، وأصبح ختم المغادرة أول شهادة نجاح.
والأغرب أن ميزان الخدمات التعليمية سجّل، وفق التقرير نفسه، عجزاً بلغ 494,7 مليون دينار، بعدما كان 327,1 مليون دينار سنة واحدة قبل ذلك. إنها ليست مجرد أرقام في ميزان المدفوعات، بل ميزان للأحلام أيضاً… أحلام تغادر ولا تعود دائماً.
الفيلسوف الصيني كونفوشيوس قال: “إذا وضعت خططاً لسنة فازرع قمحاً، وإذا وضعت خططاً لعشر سنوات فازرع أشجاراً، وإذا وضعت خططاً لمئة سنة فعلّم الناس.” أما نحن، فنعلّم الناس… ثم نهدي ثمار التعليم إلى اقتصادات أخرى بكل حب، وكأننا نمارس عملاً خيرياً دولياً.
لا أحد يلوم الطالب. الطالب يبحث عن مختبر أفضل، وأستاذ أفضل، وشهادة أقوى، وفرصة عمل أوسع. فالإنسان يشبه الماء، يجري دائماً نحو المكان الذي يجد فيه الحياة.
لكن الوطن الذي تتحول جامعاته إلى محطة عبور فقط، يشبه شجرة تسقي جذورها كل يوم، ثم تكتشف أن الثمار تنضج في بستان الجار.
ولنحسبها بلغة الاقتصاد لا بلغة الشعر فقط.
658 مليون دينار تعني مئات آلاف الليالي في السكن الجامعي بالخارج، وملايين الوجبات في مطاعم أجنبية، وآلاف اشتراكات النقل، ورسوم جامعات، وتأمينات صحية، واستهلاكاً يومياً ينعش اقتصادات باريس وبرلين ومونتريال… بينما ينتظر الاقتصاد التونسي قطرة ماء في صيف طويل.
أي مفارقة هذه؟
نحن لا نصدّر النفط… بل نصدّر العقول.
ولا نصدّر الفسفاط فقط… بل نصدّر الباحثين الذين كان يمكن أن يطوروا صناعات الفسفاط.
ولا نصدّر زيت الزيتون فقط… بل نصدّر المهندسين والأطباء والمبرمجين الذين يصنعون ثروة غيرنا.
السخرية الكبرى ليست في أن الطالب يغادر، بل في أننا اعتدنا رؤية المغادرة وكأنها النجاح الوحيد الممكن. حتى أصبح السؤال داخل كثير من العائلات ليس: في أي جامعة سيدرس ابني في تونس؟ بل: إلى أي دولة سيهاجر؟
وربما حان الوقت لطرح السؤال المعاكس:
لماذا لا تصبح تونس هي الوجهة؟
لماذا لا نستقطب خمسين ألف طالب إفريقي وعربي كل سنة؟ لماذا لا تتحول جامعاتنا إلى صناعة وطنية تدر العملة الصعبة مثل السياحة تماماً؟ فالدول الذكية لم تعد تبيع السلع فقط… بل تبيع المعرفة.
إن تقرير البنك المركزي لم يقدم مجرد أرقام مالية، بل كتب، دون أن يقصد، قصيدة حزينة عنوانها: “الوطن الذي يدفع فاتورة تعليم أبنائه… ليعملوا في مكان آخر.”
ويبقى السؤال معلقاً بين دفتي التقرير:
هل سنواصل الاحتفال كل سنة بارتفاع تحويلات الدراسة إلى الخارج… أم سنحتفل يوماً بارتفاع عدد الطلبة الأجانب الذين يختارون تونس لأن المعرفة أصبحت تُصدَّر من هنا… لا تُستورد فقط؟
بقلم شكري بن حسين





