لم تبدأ سهرة ماجد الرومي في اختتام الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي كما كان يفترض أن تبدأ، فقبل أن يستقر صوت الفنانة في مدارج المسرح الأثري، كان العطب التقني حاضراً، أربك الانطلاقة وألقى بظلال من التوتر على الدقائق الأولى من الحفل، في مشهد لم يكن يليق باسم كبير وبسهرة يفترض أن تكون واجهة اختتام دورة كاملة من المهرجان.
ماجدة الرومي نفسها لم تكن بعيدة عن هذا الارتباك. فالفنان، مهما بلغت خبرته، يحتاج إلى شروط تقنية تتيح له أن يؤدي بأريحية وأن يصل صوته إلى الجمهور كما ينبغي. وفي البداية، بدا واضحاً أن هذه الشروط لم تكن مكتملة، لتجد الفنانة نفسها أمام موقف تقني يفترض أن يتحمله التنظيم لا أن تدفع ثمنه على الركح.
قيمة الفنان الحقيقي
فماجدة الرومي، بخبرتها الطويلة فوق المسارح، لم تسمح للمشكلة التقنية بأن تتحول إلى أزمة فنية. احتاجت اللحظة إلى بعض الوقت حتى تستعيد توازنها، ثم بدأ صوتها يأخذ مكانه، وبدأ الجمهور يستعيد بدوره ثقته في السهرة. هنا تحديداً ظهرت قيمة الفنان الحقيقي، ليس في أن تكون الظروف مثالية دائماً، وإنما في القدرة على استعادة السيطرة عندما لا تكون كذلك.
ومع مرور الدقائق، تحولت البداية المتعثرة إلى حفل مختلف تماماً.
استعادت ماجدة هدوءها، وتركَت للأغنية أن تتكلم، بينما وجد الجمهور نفسه تدريجياً داخل عالمها الموسيقي، يغني معها ويصغي إليها ويتفاعل مع كل تفصيل في حضورها.
كانت ليلة تحتاج في بدايتها إلى قليل من الصبر، لكنها احتاجت في نهايتها إلى كثير من الفن.
وإذا كان التنظيم قد أخفق في تقديم البداية بالصورة التي تليق باختتام مهرجان عريق، فإن ماجدة الرومي قدمت درساً آخر في إدارة المسرح.
لم تدخل في مواجهة مع الخلل، ولم تسمح له بأن يسرق من الجمهور ليلته، بل واصلت، حتى أصبح العطب مجرد تفصيل في بداية سهرة طويلة.
والأهم أن هذه السهرة حملت بعداً عاطفياً خاصاً بالنسبة إلى ماجدة. فتونس ليست بالنسبة إليها مجرد بلد عربي تحيي فيه حفلاً جديداً. هي البلد الذي ارتبط باسمها بمحطة مفصلية في مسيرتها، والركح الذي احتضنها في بداية صعودها وأعاد استقبالها مراراً على امتداد أكثر من أربعة عقود.
ولذلك بدت عباراتها عن تونس خلال السهرة أكثر من مجاملة فنية، حين تمنت الخير والازدهار لتونس وشعبها، وحين خاطبت الجمهور بروح العرس ودعته إلى الغناء للحب والسلام، كانت تستحضر علاقة قديمة لا تزال حاضرة في وجدانها.
هذه العلاقة ظهرت أيضاً في اختيارها أن تقترب من الذاكرة التونسية، وأن تغني من تراثها، في رسالة وفاء لفنانة تعرف جيداً أن تونس لم تكن محطة عابرة في مسيرتها.
لكن ماجدة لم تأتِ إلى قرطاج لتحتفل بتونس وحدها؛ جاءت وهي تحمل لبنان معها أيضاً، فمن على المسرح التونسي، عادت إلى وطنها، إلى وجعه وصموده، وإلى قناعتها القديمة بأن الفن يمكن أن يكون موقفاً عندما تعجز الكلمات السياسية عن قول ما يكفي.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية ماجدة الرومي، فصوتها لم يُبنَ على الاستعراض، بل على فكرة أن الأغنية موقف وذاكرة وهوية.
ولذلك ظلت أعمال مثل «كلمات» و«كن صديقي» و«عيناك ليال صيفية» وغيرها قادرة على استدعاء جمهور يعرفها ويحفظها، حتى بعد عقود من ظهورها.
في قرطاج، لم تكن ماجدة بحاجة إلى أن تثبت أنها نجمة. التاريخ سبقها إلى المسرح.
لكن ما كان عليها أن تثبته هو قدرتها على تحويل ليلة بدأت مرتبكة إلى موعد فني يستحق أن يُذكر.
وهنا نجحت
غير أن نجاح الفنانة لا ينبغي أن يحجب السؤال عن التنظيم. فاختتام مهرجان بحجم قرطاج، وفي سهرة تحمل اسم ماجدة الرومي، يفترض استعداداً تقنياً يسبق وصول الفنانة إلى المسرح، واختبارات أكثر صرامة حتى لا تتحول الدقائق الأولى إلى مساحة ارتباك.
الجمهور الذي دفع ثمن تذكرته وجاء في ليلة الاختتام يستحق بداية تليق بحجم الموعد، والفنان أيضاً يستحق ظروفاً تقنية لا تعرّضه للحرج.
لذلك يمكن القول إن سهرة ماجدة الرومي كانت ناجحة فنياً، لكنها لم تكن كاملة تنظيمياً. وهذا التفريق مهم.
فالحفل الجيد ليس فقط صوت الفنان وأغانيه، وإنما أيضاً جودة الصوت، والإضاءة، والتنظيم، وإدارة الركح، وسلاسة الانتقال من لحظة إلى أخرى.
وعندما يختل عنصر أساسي من هذه العناصر في البداية، فإن النقد يصبح مشروعاً، حتى لو نجح الفنان لاحقاً في إنقاذ الموقف.
ماجدة أنقذت ليلتها بخبرتها، وبصوتها، وبعلاقتها الخاصة بالجمهور التونسي، أما التنظيم، فكانت أمامه منذ الدقائق الأولى فرصة ليؤكد أن اختتام الدورة الستين لمهرجان قرطاج يستحق مستوى أعلى من الجاهزية.
وبقيت ماجدة الرومي واقفة في قلب المسرح، تستعيد زمام اللحظة شيئاً فشيئاً، حتى تحولت سهرة بدأت بالارتباك إلى ليلة حب وحنين ووفاء بين فنانة وجمهور تربطهما قصة بدأت منذ عقود.
ص ك




