كتب: سفيان رجب
لم يعد الحديث عن العلاقات الاقتصادية بين تونس وتركيا يقتصر على أرقام المبادلات التجارية أو الجدل الذي رافق اتفاقية التبادل الحر، بل أصبح يتجه تدريجياً نحو سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن للبلدين بناء شراكة إنتاجية واستثمارية تستجيب للتحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي؟
هذا السؤال كان في صلب منتدى التعاون وتنمية الاستثمار التونسي التركي الذي انعقد يوم 29 جويلية 2026 في اسطنبول، بمشاركة مسؤولين حكوميين وسفيري البلدين ورجال أعمال ومستثمرين، وبمبادرة من غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية وبالتعاون مع عدد من المؤسسات الاقتصادية التركية.
وجاء المنتدى في ظرف دولي دقيق، تتغير فيه خرائط التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وتبحث فيه الاقتصادات الصاعدة عن شركاء قادرين على توفير الإنتاج المشترك، ونقل التكنولوجيا، وفتح أسواق جديدة، وهو ما يمنح التعاون التونسي التركي بعداً استراتيجياً يتجاوز العلاقات التجارية التقليدية.
تركيا تراهن على رفع المبادلات إلى مستويات جديدة
وأكد نائب وزير التجارة التركي محمود غورجان أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين، الذي بلغ حوالي 1.6 مليار دولار، لا يعكس الإمكانيات الحقيقية للاقتصادين، معتبراً أن الهدف هو الارتقاء به إلى مستويات أعلى خلال السنوات القادمة.
وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي يشهد إعادة تشكيل لسلاسل التوريد، وهو ما يدفع تركيا إلى تعزيز شراكاتها مع الدول التي تمتلك مواقع جغرافية استراتيجية وقدرات إنتاجية واعدة، وفي مقدمتها تونس.
واستعرض غورجان المؤشرات الاقتصادية لبلاده، موضحاً أن الاقتصاد التركي واصل النمو للربع الثالث والعشرين على التوالي، محققاً نمواً بنسبة 2.5 بالمائة خلال الربع الأول من سنة 2026، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي 1.639 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخ الجمهورية التركية.
كما أشار إلى أن صادرات تركيا من السلع بلغت 273.4 مليار دولار سنة 2025، إضافة إلى 122.6 مليار دولار من صادرات الخدمات، بينما ارتفعت الصادرات التركية نحو تونس بنسبة 11.6 بالمائة خلال العام نفسه، متجاوزة 1.2 مليار دولار.
تونس تدعو إلى استثمارات نوعية
من جانبه، دعا سفير تونس لدى أنقرة أحمد بن الصغير الشركات التركية إلى تكثيف استثماراتها في تونس، مؤكداً أن العلاقات الثنائية تشهد زخماً جديداً يستوجب الانتقال من المبادلات التجارية إلى مشاريع استثمارية أكثر طموحاً.
وأشار إلى أن الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين تشكل قاعدة صلبة لبناء شراكات اقتصادية مستدامة، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، وصناعة السيارات، والطيران، والصناعات التكنولوجية.
كما أبرز الميزة التنافسية التي توفرها تونس للمستثمرين الأتراك، باعتبارها منصة للوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية بفضل موقعها الجغرافي واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بعدد من الشركاء الدوليين.
وكشف السفير أن 69 شركة تركية تنشط حالياً في تونس باستثمارات تناهز 200 مليون دولار، معتبراً أن هذه الأرقام ما تزال دون مستوى الإمكانات المتاحة.
أنقرة: نقل التكنولوجيا والاستثمار في الخارج
أما سفير تركيا بتونس أحمد مصباح دميرجان فأكد أن بلاده لم تعد تركز فقط على التصدير، بل أصبحت تعتمد استراتيجية تقوم على الاستثمار الخارجي ونقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية.
وأوضح أن الشركات التركية أصبحت تبحث عن شراكات إنتاجية طويلة المدى، معتبراً أن تونس تمثل أحد أهم الشركاء المحتملين في شمال إفريقيا، بفضل استقرارها المؤسساتي وكفاءاتها البشرية وموقعها الجغرافي.
غرفة التجارة: المنتدى بداية لمسار جديد
وفي تصريح على هامش المنتدى، أكد رئيس الغرفة التجارية والصناعة التونسية التركية سلجوق يلماز أن اللقاء لا يمثل مجرد مناسبة لتبادل بطاقات الأعمال، بل يهدف إلى وضع خارطة طريق جديدة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وأوضح أن الغرفة تعمل على الانتقال بالعلاقات الاقتصادية من منطق المبادلات التجارية التقليدية إلى منطق الاستثمار المشترك والإنتاج الموجه نحو التصدير، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تنظيم لقاءات قطاعية مباشرة بين المؤسسات التونسية والتركية في مجالات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيات الحديثة.
وأضاف أن الغرفة ستعمل على مرافقة المستثمرين من الجانبين وتذليل الصعوبات الإدارية، معتبراً أن نجاح العلاقات الاقتصادية لن يقاس فقط بحجم التجارة، وإنما بعدد المشاريع المشتركة التي يتم إنجازها وحجم مواطن الشغل التي تخلقها.
علاقات تمتد لأكثر من ستة عقود
تعود العلاقات الدبلوماسية بين تونس وتركيا إلى سنة 1958، وشهدت تطوراً متواصلاً على المستويين السياسي والاقتصادي، قبل أن تكتسب زخماً أكبر مع دخول اتفاقية التبادل الحر حيز التنفيذ سنة 2005.
ورغم الجدل الذي أثير في تونس خلال السنوات الماضية حول انعكاسات الاتفاقية على الميزان التجاري، فإن البلدين حافظا على حوار اقتصادي متواصل، يقوم اليوم على مراجعة أولويات التعاون والبحث عن صيغ أكثر توازناً، ترتكز على الاستثمار الصناعي ونقل التكنولوجيا ورفع القيمة المضافة، بدلاً من الاقتصار على التبادل التجاري.
وتشكل تركيا اليوم أحد أبرز المستثمرين الصناعيين في تونس، خاصة في قطاعات النسيج والصناعات الميكانيكية ومكونات السيارات، فيما تسعى تونس إلى استقطاب استثمارات جديدة في مجالات الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والرقمنة والصناعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع.
من التجارة إلى التكامل الإنتاجي
ويرى مراقبون أن أهمية المنتدى لا تكمن في الأرقام التي تم الإعلان عنها، بل في الرسالة التي حملها، وهي أن العلاقات الاقتصادية بين تونس وتركيا تدخل مرحلة جديدة عنوانها التكامل الإنتاجي.
ففي ظل التحولات التي تعرفها التجارة العالمية، وتوجه الشركات الكبرى نحو تنويع مواقع الإنتاج، تبدو تونس مرشحة للعب دور منصة صناعية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية متطورة وخبرة واسعة في التصنيع والتصدير.
ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة، عبر شراكات صناعية واستثمارات مشتركة تخلق الثروة وفرص العمل، وتجعل من العلاقات التونسية التركية نموذجاً للتعاون الاقتصادي القائم على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.








