لوبوان- كتب سفيان رجب
لم يكن منتدى التعاون التونسي التركي الذي احتضنته أسطنبول يوم 29 جويلية مجرد لقاء اقتصادي جديد يضاف إلى روزنامة الاجتماعات الثنائية، بل عكس تحوّلا أعمق في الطريقة التي تنظر بها تركيا إلى شراكاتها الاقتصادية، وفي الموقع الذي بدأت تحتله تونس داخل هذه الرؤية الجديدة.
فالرسائل التي حملها المنتدى، سواء في كلمات المسؤولين الأتراك أو الدبلوماسيين التونسيين أو رجال الأعمال، تؤكد أن العلاقات بين البلدين بدأت تتجاوز مرحلة التركيز على الميزان التجاري، لتدخل تدريجيا منطق الشراكة الإنتاجية، وهي مقاربة فرضتها التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
اقتصاد عالمي يعيد رسم الخريطة
منذ جائحة كوفيد-19، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولا إلى التوترات في البحر الأحمر وشرق المتوسط، لم تعد الشركات العالمية تبحث فقط عن أسواق جديدة، بل أصبحت تبحث عن مواقع إنتاج آمنة وقريبة من الأسواق الكبرى.
لقد انهارت الفكرة التقليدية التي كانت تقوم على إنتاج كل شيء في آسيا ثم شحنه إلى أوروبا أو إفريقيا. واليوم أصبح عنوان المرحلة هو تنويع سلاسل التوريد وتقريب الإنتاج من المستهلك النهائي، وهو ما يعرف بسياسة Nearshoring وFriendshoring، أي نقل جزء من الإنتاج إلى دول قريبة جغرافيا أو إلى شركاء يتمتعون بعلاقات سياسية مستقرة.
وفي هذا السياق، تتحول تونس من مجرد سوق صغيرة تضم نحو 12 مليون مستهلك إلى منصة إنتاج يمكن أن تخدم فضاء اقتصاديا يتجاوز 800 مليون مستهلك بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
لماذا تونس؟
من منظور تركي، تمتلك تونس عدداً من المزايا التي يصعب تجاهلها.
أول هذه المزايا هو الموقع الجغرافي. فتونس لا تبعد سوى ساعات بحرية قليلة عن الموانئ الأوروبية، وفي الوقت نفسه تمثل بوابة طبيعية نحو أسواق شمال إفريقيا وغربها.
أما الميزة الثانية فتتمثل في شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربط تونس بالاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية والإفريقية، وهو ما يمنح المستثمر الصناعي إمكانية الإنتاج داخل تونس ثم النفاذ إلى أسواق متعددة بشروط تفضيلية.
ويضاف إلى ذلك توفر كفاءات هندسية وتقنية ذات مستوى جيد وتكاليف إنتاج تبقى تنافسية مقارنة بعدد من الأسواق الأوروبية.
هذه العناصر تجعل من تونس، في الحسابات الاقتصادية، أكثر من مجرد شريك تجاري؛ فهي مرشحة لأن تصبح جزءا من سلاسل القيمة الصناعية التي تعمل تركيا على تطويرها خارج حدودها.
تركيا… من دولة مصدّرة إلى دولة مستثمرة
على مدى العقدين الماضيين، بنت تركيا قاعدة صناعية واسعة شملت الصناعات الميكانيكية، ومكونات السيارات، والأجهزة الكهربائية، والصناعات الدفاعية، والنسيج، والصناعات الغذائية.
لكن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج داخليا واشتداد المنافسة العالمية، بدأت الشركات التركية تبحث عن مرحلة جديدة تقوم على تدويل الإنتاج، أي إنشاء وحدات صناعية خارج تركيا مع الاحتفاظ بالتصميم والتكنولوجيا والإدارة.
وهنا تبرز تونس كأحد الخيارات الأكثر منطقية، خاصة بالنسبة للصناعات الموجهة نحو السوق الأوروبية والإفريقية.
فالهدف لم يعد بيع المنتجات التركية في تونس فقط، بل تصنيع جزء منها داخل تونس، بما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل ويمنح المنتجات قدرة تنافسية أكبر في الأسواق الخارجية.
من الجدل حول التجارة الحرة إلى منطق الاستثمار
لسنوات طويلة، ارتبط النقاش في تونس بالعجز التجاري مع تركيا، وأصبحت اتفاقية التبادل الحر محوراً للانتقادات من قبل عدد من الصناعيين والفاعلين الاقتصاديين.
غير أن النقاش بدأ يتغير تدريجيا، فالسؤال لم يعد: كم تستورد تونس من تركيا؟ بل أصبح: كم مصنعا تركيا يمكن أن ينتج داخل تونس؟
الفرق بين السؤالين يعكس انتقال العلاقات من اقتصاد يقوم على الاستيراد والتصدير إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج المشترك.
وإذا نجحت هذه المقاربة، فإن العجز التجاري يمكن أن يتحول تدريجيا إلى شراكات صناعية تولد صادرات جديدة وتخلق مواطن شغل وتدعم نقل التكنولوجيا.
خمسة قطاعات قد تصنع المرحلة المقبلة
تكشف المؤشرات الحالية أن التعاون التونسي التركي مرشح للتوسع في عدد من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
في مقدمة هذه القطاعات تأتي صناعة مكونات السيارات، حيث تمتلك تركيا خبرة كبيرة، بينما أصبحت تونس إحدى أهم قواعد تصنيع الكوابل والأنظمة الكهربائية للسيارات في المنطقة.
ويبرز أيضا قطاع الطاقات المتجددة، الذي يحتاج إلى استثمارات ضخمة في تصنيع المعدات ومحطات الإنتاج، إلى جانب الصناعات الغذائية التي يمكن أن تستفيد من الخبرة التركية في التصنيع والتسويق.
كما تبرز فرص واعدة في الصناعات الدوائية، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات يمكن أن تمنح العلاقات الثنائية بعداً جديداً يتجاوز الصناعات التقليدية.
غرفة التجارة… من الوساطة إلى صناعة المشاريع
ويأتي الدور الذي تضطلع به غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية ليعكس هذا التحول في الرؤية.
فالغرفة لم تعد تقتصر على تنظيم اللقاءات بين رجال الأعمال، بل تعمل على بناء شبكة علاقات بين المؤسسات الصناعية في البلدين، وتشجيع المشاريع المشتركة، ومرافقة المستثمرين، والبحث عن فرص التمويل والشراكة.
وفي هذا الإطار، يمثل منتدى أنقرة خطوة عملية نحو إنشاء منصة دائمة للحوار الاقتصادي بين القطاع الخاص في البلدين، بما يسمح بترجمة الإرادة السياسية إلى مشاريع استثمارية ملموسة.
تونس أمام فرصة تاريخية
غير أن نجاح هذه الرؤية لا يتوقف على رغبة المستثمر التركي وحده. فتونس مطالبة اليوم بمواصلة إصلاح مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع إنجاز المناطق الصناعية واللوجستية، وتحسين البنية التحتية للموانئ والنقل، حتى تتحول فعلاً إلى قاعدة إنتاج إقليمية.
فالمنافسة لم تعد بين تونس وتركيا، بل بين تونس وعدد من الدول المتوسطية والإفريقية التي تسعى جميعها إلى استقطاب الاستثمارات الصناعية الجديدة.
ما بعد المنتدى…
قد لا يكون أهم ما خرج به منتدى اسطنبول هو الإعلان عن ارتفاع حجم المبادلات التجارية أو توقيع مذكرات تعاون جديدة، بل تأكيد قناعة مشتركة بأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين دخلت مرحلة مختلفة. مرحلة لا تقوم على بيع السلع وشرائها فقط، وإنما على تقاسم الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل قيمة مشتركة قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وإذا نجح الطرفان في تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع صناعية حقيقية، فإن المنتدى سيذكر مستقبلا باعتباره نقطة الانطلاق نحو نموذج جديد من التعاون التونسي التركي، ينتقل فيه البلدان من علاقة “المصدّر والمستورد” إلى علاقة “الشريكين في الإنتاج”، وهي المعادلة التي ستحدد مستقبل العلاقات الاقتصادية في عالم تتغير خرائطه بسرعة غير مسبوقة.





