لوبوان-كتب سفيان رجب
بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، احتضنت منصة “Med.tn”، المتخصصة في ربط المرضى بالأطباء والخدمات الصحية الرقمية، المنتدى الأول حول التدخين في المغرب العربي، المنعقد تحت شعار “التدخين في المغرب العربي: نقاشات حول تحدّ مشترك”،جمع نخبة من الأطباء والخبراء من تونس والجزائر وليبيا لمناقشة واقع استهلاك التبغ في المنطقة والسبل الكفيلة بالحد من تداعياته الصحية والاقتصادية.
وشكل اللقاء مناسبة لتبادل التجارب بين بلدان المغرب العربي واستعراض التحديات المشتركة التي تواجهها أنظمة الصحة العمومية في ظل استمرار ارتفاع معدلات التدخين، خاصة بين الشباب والمراهقين، فضلا عن الانتشار المتزايد للسجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ الجديدة.
آفة تتجاوز الحدود الوطنية
المؤكد وحسب اجماع كل المتدخلين، فان التدخين لم يعد مجرد ممارسة فردية أو قضية صحية معزولة، بل تحول إلى قضية عامة بل كونية تنعكس على الصحة العامة والاقتصاد والتنمية الاجتماعية في مختلف دول المنطقة.
وفي مداخلته، خلال الجلسة الحوارية الأولى، شدد الدكتور ذاكر لهيذب، المختص في أمراض القلب والشرايين، على أن مكافحة التدخين ينبغي أن ترتقي إلى مستوى الأولويات الوطنية والإقليمية، معتبراً أن الاستثمار في الوقاية يمثل أحد أكثر الاستثمارات مردودية بالنسبة للأنظمة الصحية. وأوضح أن التدخين يقف وراء نسبة مهمة من أمراض القلب والجلطات الدماغية ومضاعفات الشرايين التي تستنزف الموارد الطبية والمالية للدول. وقال ان التدخين يُعدّ المسبب الرئيسي لنحو أكثر من 50% من الجلطات القلبية المسجلة في تونس. وأن الأبحاث التي أُجريت في كلية الطب بتونس أظهرت أن أكثر من 95% من المدخنين المستجوبين على علم تام بأضرار التدخين، إلا أنهم عاجزون عن الإقلاع عنه. داعيا إلى ضرورة توفير معوضات النيكوتين بشكل مجاني في مراكز الإقلاع عن التدخين للمساعدة على مجابهة هذه الافة.
من جانبه، تناول الدكتور حبيب جعفورة، المختص في أمراض الأنف والأذن والحنجرة، في الجلسة الحوارية الثانية الانعكاسات المباشرة للتدخين على الجهاز التنفسي العلوي، مشيراً إلى ارتباطه بعدد من الأمراض الخطيرة، من بينها سرطانات الحنجرة والفم والبلعوم، إضافة إلى اضطرابات الصوت والالتهابات المزمنة التي تؤثر على جودة الحياة.
تحديات متشابهة في ليبيا وتونس والجزائر
أما الدكتور حسن مصراتي، المختص في الأمراض التنفسية في ليبيا، فقد أبرز أن دول المغرب العربي تواجه إشكالات متقاربة تتمثل في سهولة الحصول على منتجات التبغ، وضعف الوعي بالمخاطر الصحية لدى بعض الفئات، فضلاً عن تزايد الضغط على المؤسسات الاستشفائية بسبب الأمراض التنفسية المزمنة المرتبطة بالتدخين. ودعا مصراتي إلى تعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر باعتبارها أدوات أكثر فعالية وأقل تكلفة من الاقتصار على العلاج بعد ظهور المضاعفات.
من جهته أكد الدكتور هاشم بلخير أهمية تطوير آليات التعاون بين بلدان المنطقة من أجل تبادل الخبرات ووضع برامج توعوية مشتركة تستهدف بالخصوص الشباب والمراهقين، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة لاكتساب هذه العادة في سن مبكرة. ودعا أخصائي أمراض الجهاز التنفسي الليبي، إلى تأسيس جمعية مغاربية متخصصة في مكافحة التدخين، تتولى إعداد استراتيجيات إقليمية تستجيب لخصوصيات دول المنطقة وتعتمد مقاربات علمية حديثة تتجاوز الأساليب التقليدية المتبعة.
ومن الجزائر، ركزت البروفيسور سعاد بوعود، المختصة في علم الأوبئة، على الدور المحوري للمعطيات العلمية في رسم السياسات الصحية، معتبرة أن نجاح أي استراتيجية لمكافحة التدخين يظل رهين توفر بيانات دقيقة تسمح بفهم تطور الظاهرة وأنماط استهلاك التبغ داخل المجتمعات المغاربية. وأكدت أن تعزيز الدراسات الميدانية والبحوث الوبائية يعد شرطاً أساسياً لتوجيه القرارات الصحية ووضع برامج تدخل أكثر نجاعة وملاءمة للواقع المحلي.
بدورها، شددت البروفيسور مريم عبدون على أهمية المؤسسات التربوية والجامعية في جهود الوقاية، معتبرة أن المدرسة والجامعة تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة انتشار التدخين بين الناشئة.
كلفة اقتصادية باهظة
ولم تقتصر النقاشات على الجانب الصحي، بل تطرقت أيضاً إلى الأعباء الاقتصادية المتنامية الناجمة عن استهلاك التبغ. فقد أكد المشاركون أن الأمراض المرتبطة بالتدخين تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على ميزانيات الصحة العمومية وصناديق التأمين الاجتماعي في بلدان المنطقة. وتشمل هذه الأعباء تكاليف العلاج والأدوية والاستشفاء، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة الناتجة عن تراجع الإنتاجية المهنية والتقاعد المبكر والوفيات في سن النشاط الاقتصادي. ويرى خبراء الصحة والاقتصاد أن العائدات الجبائية المتأتية من بيع السجائر لا تعكس الكلفة الحقيقية للتدخين، التي تبقى أكبر بكثير عند احتساب آثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية طويلة المدى.
توصيات نحو مقاربة مغاربية مشتركة
واختتمت الندوة أعمالها بالتأكيد على ضرورة تعزيز التنسيق بين دول المغرب العربي في مجالات التوعية والبحث العلمي والتشريع الصحي، مع تطوير برامج مساعدة المدخنين على الإقلاع عن التبغ وتكثيف الحملات الوقائية الموجهة للشباب. كما دعا المشاركون إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة وتبني مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية والتثقيف والعلاج، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن مكافحة التدخين لم تعد مجرد سياسة صحية، بل أصبحت خياراً استراتيجياً لحماية رأس المال البشري وضمان استدامة التنمية في المنطقة المغاربية. وفي ظل استمرار التدخين في حصد ملايين الأرواح سنوياً حول العالم، يظل الرهان الحقيقي، بحسب المتدخلين، هو بناء ثقافة مجتمعية جديدة تجعل من الامتناع عن التدخين سلوكاً جماعياً مدعوماً بالوعي والتشريع والسياسات العمومية الفعالة.





