عربي ودولي

قصف المعدّنين السودانيين داخل مناجم الذهب.. تضع البرهان في فوهة الغضب الشعبي؟

موقف البرهان وصمته تجاه القاهرة يطرح أسئلة كثيرة حول مفهوم السيادة التي ينصب نفسه حارسا لها

وجد قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه وسط موجة عاتية من الانتقادات والغضب الشعبي، وذلك بسبب موقفه من الغارة الجوية التي استهدفت معدنيين سودانيين داخل أحد مواقع التعدين الأهلي شمالي البلاد.

وانفجرت وسائل التواصل الاجتماعي السودانية في العاشر من أكتوبر 2026 بمقاطع فيديو وصور لعشرات الضحايا، قيل إنهم وقعوا ضحايا لقصف جوي، وذلك في منجم للتعدين في جبل العقيدات بمنطقة شمال الوادي السودانية بالقرب من الحدود السودانية المصرية.

وفي وقت حدد فيه نشطاء ومتواجدين في المنجم أن القصف جاء من طائرات تابعة لسلاح الجو المصري، خيم الصمت على مجلس السيادة وسلطة بورت سودان، خصوصا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي اكتفى بالصمت دون أي تصريح أو بيان عن الواقعة، في ساعاتها الأولى.

وفي سياق الجدل حول المنطقة التي وقع فيها القصف، أكد تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية نشر في  12 أكتوبر 2026 أن المنجم المستهدف يقع في ولاية البحر الأحمر السودانية، على بعد نحو 25 ميلا من الحدود مع مصر، أي قرابة 40 كيلومترا داخل الأراضي السودانية.

وكانت «الحرة» قد أوردت، في تغطيتها لهجوم جوان، تقديرا يضع جبل العقيدات على عمق نحو 20 كيلومترا داخل السودان؛ أما مسافة الأربعين كيلومترا فترد هنا منسوبة إلى تحديد الصحيفة الأمريكية لموقع قصف أكتوبر.

كم عدد القتلى؟

نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن ناجين أن آلاف المعدّنين كانوا يعملون في الموقع، وأحصت «محامو الطوارئ» 72 قتيلا بحسب معلومات أولية، فيما تحدث شهود لـ«بي بي سي» عن أكثر من 60 قتيلا ونحو 150 جريحا.

وقدر ناجون لـ«سودان تريبيون» القتلى بما لا يقل عن 200، مع فرار أكثر من 15 ألف عامل، بينما سجلت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلا و28 جريحا، محذرة من ارتفاعها.

القاهرة تبرر القصف والبرهان يتهرب من المواجهة

اتهمت منظمة «محامو الطوارئ» الطيران الحربي المصري باستهداف المعدّنين المدنيين، معتبرة الهجوم انتهاكا للقانون الدولي.

وعندما سألت رويترز مسؤولين أمنيين مصريين عن الغارة، لم ينفيا العملية، بل برراها بإنهاء ما وصفاه بالفوضى الحدودية ومنع مجموعات مصرية وسودانية من السيطرة على مناطق التعدين.

وبعد يومين، أعلن المتحدث العسكري المصري استمرار «المرحلة الثالثة» من الحملة، مشيرا إلى إلقاء منشورات تحذيرية على من وصفهم بالعناصر الإجرامية. لكن البيان وضع العمليات داخل الأراضي المصرية، ولم يتضمن إقرارا صريحا بتنفيذ غارة داخل السودان أو بمقتل المعدّنين.

ومن جهته، اكتفى مجلس السيادة السوداني الذي يقوده البرهان ببيان تعزية وإعلان عن لجنة تقصي حقائق في الواقعة دون تسمية الجهة المنفذة للقصف.

وجاء البيان، بعد مرور 48 ساعة على الواقعة، وبدا بإرسال التعازي في مقتل المواطنين السودانيين في المنطقة الحدودية بين مصر السودان.

وأعلن البيان عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به، ورفع تقرير بنتائج التحقيق.

ليست المرة الأولى

لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي يحدث فيها قصف معدنيين سودانيين في شمالي البلاد.

وفي 16 جوان 2026، حدثت غارة جوية استهدفت المنطقة ذاتها.

وقدرت وكالة الصحافة الفرنسية، وقتها، عدد الضحايا بنحو 23 قتيلا، فيما قدرت منصات سودانية الحصيلة بنحو مئة.

وبحسب الشهادات الواردة، امتدت العمليات إلى جبل العقيدات والجبل الأحمر ومحيط سوق الأنصاري، وشملت غارات بمقاتلات ومسيّرات أعقبها توغل بري. ونقلت منظمة «مناصرة ضحايا دارفور» عن شهود أن قوة مصرية تضم نحو ستين عربة مسلحة حاصرت المعدّنين واعتقلت مدنيين تعرض بعضهم للضرب.

وخلال الأيام التي أعقبت هجمات جوان، أفاد راديو دبنقا بوصول نحو ألفي معدّن مبعد عبر معبر أرقين وفق ناشط محلي، فيما تحدث مدير المعبر عن أكثر من ثلاثة آلاف خلال الأيام السابقة، بينما أعلن الجيش المصري ضبط 223 شخصا، بينهم 136 أجنبيا، في 22 جوان.

غارتان “مميتان” وموقف واحد للبرهان

لم يكن موقف البرهان وصمته تجاه الغارة الأخيرة في شمال الوادي مفاجئا، بقدر ما فتح أسئلة كثيرة حول مفهوم السيادة التي ينصب نفسه حارسا لها في السودان.

وعقب الغارات التي جرت في جوان، ظهر البرهان في منطقة الرتج شمالي شرق السودان، وصرح قائلا موجها حديثه للمعدنيين، ومدافعا عن سلوك مصر: «جارتنا الشمالية على الناس احترامها وعدم تجاوز الحدود حتى لا يتسببوا في مشاكل لأنفسهم وللدولة».

كان السودانيون ينتظرون من قائد جيشهم الدفاع عن دمهم، فسمعوه يطالبهم بمراعاة حدود الجار المتهم بقصفهم.

وحين تكررت الغارة في أكتوبر الجاري، لم يغير البرهان موقفه، إذ رفض أيضا تسمية الطرف الذي تسبب في مقتل المعدنيين السودانيين.

ومن جهته، وصف مستشار البرهان، أمجد فريد، القصف بأنه جرم غير مبرر وغير مقبول، مشيرا إلى إمكان معالجة التجاوزات الحدودية دون طيران حربي، لكن موقفه لم يتحول إلى احتجاج رسمي معلن أو مسار واضح للمساءلة.

ذهب السودان.. والثروة التي تحرسها القوة

تقع العقيدات ضمن حزام الدرع النوبي الغني بالذهب، وقدر معهد «تشاتام هاوس» أن نحو 60% من إنتاج الذهب في الولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر يُهرّب إلى مصر، بكميات تتجاوز مئة كيلوغرام يوميا، وبما يزيد على ستين طنا منذ اندلاع الحرب حتى نهاية 2024.

وفي المقابل، لم تتجاوز صادرات الذهب الرسمية إلى مصر خلال 2024 نحو 16 مليون دولار، أي قرابة 1% من إجمالي صادرات السودان من الذهب، وفق بيانات بنك السودان المركزي التي أوردها تقرير تشاتام هاوس.

وأفاد معدّنون لـ«سودان تريبيون» برصد آليات حفر وشاحنات تنقل الصخور عبر الحدود إلى مصر، وبأن دورية مصرية سبق أن حذرتهم من الاقتراب من موقع قالت إنه يقع داخل الأراضي المصرية.

جدل حول تنسيق مزعوم

نقل موقع «الحرة» عن معدّن أن مجموعة من القوات المشتركة الموالية للحكومة انسحبت من الجبل قبل غارة جوان بيوم، وأن الجيش السوداني لم يصل لإجلاء المصابين وجمع الجثث إلا في اليوم الثالث، وأثارت الشهادة شكوك عمال بشأن احتمال وجود تنسيق بين الحكومتين، دون أن تثبت وقوعه.

لكن صمت البرهان لا يحتاج، على الأرجح، إلى إثبات تلك الشكوك، فالقاهرة تدعم قائد الجيش السوداني، وتعد الحرب على حدودها تهديدا لأمنها، وقد تحققت وكالة الصحافة الفرنسية من صور أقمار صناعية أظهرت وجودا متكررا لمسيّرات «بيرقدار» التركية في قاعدة مصرية قرب السودان، فيما تحدثت تقارير عن تسهيل تسليم مسيّرات للجيش السوداني وتدريب أطقم له داخل مصر، إلى جانب تعاون عسكري واستخباراتي أوسع، ورأى تحليل نشره «هورن ريفيو» في جوان أن صمت الجيش تجاه الغارات يرتبط بالدعم المصري له.

مطالب وأسئلة لا تتوقف

وطالبت قوى حقوقية وسياسية ونقابية بتحقيق دولي مستقل، وحمّل تحالف «صمود» بقيادة عبد الله حمدوك الجانب المصري المسؤولية المباشرة.

وبدورها، تجد مصر نفسها وسط مطالب بالإجابة عن القصف وسقوط المدنيين، لا بالاكتفاء بتصنيفهم عناصر إجرامية وتقديم المبررات الأمنية، والبرهان مطالب بإعلان نتائج التحقيق، وتحمل المسؤولية، واتخاذ موقف صريح فيما يتعلق بحوادث تمس سيادة بلاده بصورة مباشرة.

وفي سياق آخر، تعيد الغارات فتح ملف حلايب وشلاتين، المثلث المتنازع عليه والخاضع للسيطرة المصرية، وتؤكد الخرائط الإدارية السودانية وقوع مواقع التعدين المستهدفة داخل السودان، فيما تتعامل القاهرة معها ضمن امتداد المنطقة الحدودية المتاخمة للمثلث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى