لم تعد الهجمات الحوثية التي استهدفت الأراضي السعودية مجرد حلقة جديدة في مسلسل التوترات الإقليمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمصداقية المواقف الدولية، ولمدى استعداد الدول التي تربطها بالمملكة علاقات استراتيجية ومصالح مشتركة للانتقال من عبارات التضامن الدبلوماسي إلى مواقف عملية تضمن أمنها واستقرارها.
إن استهداف المطارات والمنشآت المدنية وتعريض حياة المواطنين والمقيمين للخطر يطرح مسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لتلامس مبدأ أساسيا في العلاقات الدولية: حق الدول في حماية أراضيها وسيادتها وأمن سكانها. ومن هذا المنطلق، فإن التضامن مع المملكة العربية السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره اصطفافا سياسيا عابرا، بل موقفا مبدئيا من رفض استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
السعودية… دبلوماسية تبحث عن الاستقرار
على امتداد السنوات الماضية، عملت المملكة العربية السعودية على تعزيز حضورها الدبلوماسي الإقليمي والدولي، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، ومن قدرتها على التواصل مع أطراف دولية متباينة المصالح.
وقد برز هذا الدور في مساعي خفض التوترات، وفتح قنوات الحوار، ودعم المبادرات الرامية إلى تسوية النزاعات، إلى جانب تحركاتها في ملفات إقليمية ودولية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والتنمية والاستقرار الاقتصادي.
وفي الملف اليمني تحديدا، تظل الحاجة إلى تسوية سياسية شاملة أمرا ملحا، ليس فقط لإنهاء معاناة اليمنيين، وإنما أيضا لحماية أمن دول الجوار ومنع استمرار التهديدات العابرة للحدود. فاستقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا عبر فرض الوقائع بالقوة، بل من خلال عملية سياسية تضمن للدولة اليمنية مؤسساتها وسيادتها، وتفتح المجال أمام سلام مستدام.
ومن هنا تبرز أهمية المقاربة السعودية التي تجمع، في حساباتها المعلنة، بين حماية الأمن الوطني والبحث عن مخارج سياسية للأزمة. فالدبلوماسية ليست تنازلا عن الحقوق، كما أن السعي إلى السلام لا يعني القبول باستمرار الاعتداءات.
ضبط النفس… قوة القرار لا علامة ضعف
أمام الهجمات المتكررة، تبرز أهمية ضبط النفس باعتباره خيارا استراتيجيا ينبغي تقييمه في ضوء أهدافه ونتائجه، لا باعتباره ترددا أو عجزا عن الرد.
فالدول التي تمتلك وزنا سياسيا واقتصاديا كبيرا تدرك أن القرارات العسكرية لا تُقاس فقط بقدرتها على إلحاق الضرر بالخصم، بل أيضا بما قد تخلّفه من تداعيات على أمن المنطقة، وحركة التجارة والطاقة، والاستثمارات، وحياة المدنيين.
وقد يكون تجنب التصعيد الواسع مدخلا لإبقاء المجال مفتوحا أمام الحلول السياسية، وتفادي الانزلاق إلى مواجهة يصعب التحكم في مساراتها. غير أن ضبط النفس لا يمكن أن يتحول إلى معادلة مفتوحة تسمح بتكرار الاعتداءات دون كلفة سياسية أو أمنية، أو توحي بأن استهداف المنشآت المدنية يمكن أن يمر من دون مساءلة.
إن التحدي الذي تواجهه الرياض يتمثل في تحقيق معادلة دقيقة: حماية السيادة وردع التهديدات، مع تجنب حرب إقليمية أوسع. وهي معادلة تتطلب وضوحا في المواقف الدولية، وضمانات أمنية فعالة، وجهدا دبلوماسيا يضع حدا للهجمات بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
وقد أكدت المملكة، في موقفها المعلن أمام مجلس الأمن يوم 11 أكتوبر 2026، حقها في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أراضيها ومواردها وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها، استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وهذا يضع المسؤولية الدولية أمام سؤال واضح: كيف يمكن حماية فرص السلام إذا لم تُحمَ في الوقت نفسه قواعد السيادة وحرمة المدنيين؟
التضامن العربي… بين البيانات والمواقف العملية
من الإنصاف الإقرار بأن المشهد الدولي لا يخلو من مواقف داعمة للمملكة. فقد أدانت تركيا ومصر وباكستان والسعودية، ضمن بيان مشترك لمجموعة «R4» صدر في 11 أكتوبر، الهجمات الحوثية، وأكدت هذه الدول تضامنها مع الرياض ودعمها للإجراءات المشروعة التي تتخذها لحماية أمنها وسيادتها. كما أدانت اليابان الهجمات ودعت إلى وقف التصعيد.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو مدى قدرة هذه المواقف على التحول إلى تحرك مؤثر يضع حدا للاعتداءات ويحول دون تكرارها.
فالتضامن لا يقاس بعدد البيانات وحده، وإنما أيضا بمدى الاستعداد لتنسيق الجهود الدبلوماسية، وتعزيز التعاون الدفاعي، والعمل على وقف تدفق الأسلحة إلى الجماعات المسلحة، وحماية الملاحة الدولية والمنشآت المدنية.
ولا يعني ذلك أن كل دولة مطالبة بالتدخل العسكري، أو أن غياب المشاركة العسكرية دليل تلقائي على التخلي عن المملكة. فلكل دولة حساباتها والتزاماتها القانونية ومصالحها الأمنية. غير أن العلاقات العربية والإسلامية، كما الشراكات الاستراتيجية، تكتسب معناها الحقيقي عندما تواجه الدول الشقيقة والصديقة تهديدات تمس أمنها واستقرارها.
والأهم أن أمن السعودية ليس شأنا سعوديا داخليا فحسب؛ فالمملكة تمثل مركزا اقتصاديا وطاقيا مهما، وأي اضطراب واسع في أمنها ينعكس على أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار، وعلى استقرار منطقة الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.
واشنطن والرياض… لماذا لا يتطابق الالتزام مع التدخل؟
ولعل السؤال الأكثر حساسية في هذه الأزمة يتعلق بالموقف الأمريكي. كيف يمكن تفسير التريث الأمريكي في تقديم دعم عسكري مباشر للمملكة، رغم الشراكة الأمنية الممتدة بين البلدين، وعلاقات التعاون الدفاعي وصفقات التسليح الضخمة؟
من المهم هنا التمييز بين الصمت الكامل والتردد في التدخل العسكري. فواشنطن لم تلتزم الصمت تماما؛ إذ أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في 5 أكتوبر 2026، أن الولايات المتحدة تعتزم الالتزام بتعهداتها الأمنية تجاه السعودية، وأكد حق المملكة في الدفاع عن نفسها. لكنه لم يقدم تفاصيل بشأن طبيعة الدعم العسكري المباشر الذي يمكن أن توفره بلاده.
غير أن هذا الموقف يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الفارق بين الاعتراف بحق السعودية في الدفاع عن نفسها، والاستعداد للمشاركة الفعلية في التصدي للتهديدات التي تواجهها.
ويمكن تفسير التحفظ الأمريكي بعدة اعتبارات متداخلة، من بينها الخشية من الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع، واحتمال تعرض القوات والمنشآت الأمريكية لهجمات انتقامية، والمخاطر التي قد تهدد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فضلا عن حسابات واشنطن المتعلقة بمواجهتها مع إيران وبأولوياتها العسكرية والاستراتيجية.
وقد تسعى الإدارة الأمريكية كذلك إلى تجنب تحمل أعباء عسكرية إضافية، أو إلى الإبقاء على هامش للمناورة الدبلوماسية. لكن هذه تبقى تفسيرات محتملة لحسابات السياسة الأمريكية، وليست حقائق مؤكدة بشأن دوافع القرار الأمريكي.
وتشير التغطيات الصحفية المنشورة في الأيام الأخيرة إلى أن واشنطن لم تعلن قرارا بالمشاركة المباشرة في الضربات ضد الحوثيين، رغم استمرار التعاون في مجالات الدعم الاستخباراتي والتخطيط. كما نقلت تقارير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس خيارات المشاركة، من دون إعلان قرار نهائي.
وهنا تكمن المفارقة، الولايات المتحدة التي ترتبط بالسعودية بمصالح أمنية واقتصادية واسعة مطالبة بتوضيح طبيعة التزاماتها، لا بالضرورة عبر الانخراط في حرب مفتوحة، وإنما من خلال تحديد ما يمكن أن تقدمه عمليا لحماية المنشآت المدنية، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي، والحد من مصادر التهديد، ودعم المسار الدبلوماسي.
فالشراكة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة التطابق في كل القرارات العسكرية، لكنها تفقد جزءا من مصداقيتها إذا ظل الفرق غامضا بين التعهدات المعلنة والاستجابة عند الأزمات.
أمن السعودية وأمن المنطقة… مسؤولية تتجاوز الحدود
إن ما يجري اليوم يفرض إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي. فالهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت الحيوية في المملكة لا تهدد دولة واحدة فحسب، بل تمس سلامة المدنيين، وثقة المستثمرين، وحركة الطيران، وسلاسل الإمداد، واستقرار أسواق الطاقة.
كما أن ترك الاعتداءات المتكررة دون ردع فعال قد يرسخ منطق استخدام القوة لفرض الوقائع السياسية، ويضعف فرص التوصل إلى تسويات تفاوضية مستدامة.
وفي المقابل، فإن الرد على الاعتداءات ينبغي أن يظل محكوما بالقانون الدولي، وبضرورة حماية المدنيين وتجنب توسيع دائرة الصراع. فلا يمكن مواجهة انتهاك للقانون بانتهاك مماثل، ولا يمكن بناء سلام دائم على منطق الانتقام المفتوح.
ومن هذا المنطلق، تحتاج المنطقة إلى مقاربة تجمع بين دعم حق السعودية في حماية أراضيها، والضغط لوقف الهجمات الحوثية، وتعزيز الرقابة على مصادر التسليح، واستئناف الجهود السياسية الرامية إلى تسوية الأزمة اليمنية. فالحل الأمني وحده لا يكفي، كما أن الدعوة إلى الحوار لا تكون ذات مصداقية إذا لم تقترن برفض واضح لاستهداف المدنيين.
إن الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية لا يتعارض مع الدعوة إلى السلام، بل يشكل جزءا من الدفاع عن الشروط الضرورية لتحقيقه.
فمن حق السعودية أن تنعم بالأمن والاستقرار، وأن تحمي مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وأن تطالب شركاءها بتحمل مسؤولياتهم في مواجهة تهديدات تمس أمنها الوطني والإقليمي.
وفي الوقت نفسه، فإن المطلوب ليس شيكا على بياض لأي تصعيد عسكري، وإنما موقف دولي واضح يجمع بين الردع المشروع والدبلوماسية الفاعلة، ويمنع تحويل أمن المنطقة إلى ورقة ضغط في صراعات القوى الإقليمية والدولية.
أما واشنطن، فإن أمامها فرصة لتأكيد أن شراكتها مع الرياض ليست مجرد اتفاقات تسليح ومصالح اقتصادية، بل علاقة تقوم أيضا على وضوح الالتزامات والتنسيق عند الأزمات. وأمام الدول العربية والإسلامية فرصة أخرى لإثبات أن التضامن ليس شعارا موسميا، بل إرادة مشتركة لحماية الأمن والسيادة والاستقرار.






