لوبوان-تونس-كتب سفيان رجب
الاكيد انه في عديد الملتقيات والمؤتمرات، هناك أسماء تحضر بأجسادها، وأخرى تظل حاضرة حتى بعد الرحيل. وفي مؤتمر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، المنعقد اليوم ويتواصل غدا، كان من الصعب ألا تستحضر الذاكرة اسم وشخصية الهاشمي نويرة، ذلك الزميل والأخ والصديق الذي غادرنا في صمت، لكنه ترك فينا وفي الذاكرة الاعلامية والحقوقية والوطنية سيرة مهنية ونقابية يصعب اختزالها في كلمات الرثاء.
كنت أتمنى، وأنا أتابع أشغال هذا المؤتمر، أن أجد الهاشمي نويرة بين الحاضرين، كما عهدناه في كل المحطات النقابية الكبرى. أن أراه يتنقل بين الزملاء، يصغي إلى هذا، ويناقش ذاك، ويتدخل حين تستدعي اللحظة تدخله، ويخوض النقاشات بحماسته المعهودة وخبرته الطويلة ومعرفته العميقة بأهل المهنة وتوازناتها. لكن المقعد الذي كان يمكن أن يشغله ظل هذه المرة خاليا من حضوره، وإن لم يكن خاليا من ذكراه.
الهاشمي نويرة لم يكن مجرد صحفي يحضر مؤتمرات النقابة واجتماعاتها العامة وحتى مؤتمرات نقابات وجمعيات عربية ودولية، بل كان أحد أولئك الذين يصنعون ديناميكيتها ويؤثرون في مساراتها ونتائجها. فقد كان حضوره فاعلا، ورأيه مسموعا، وقدرته على قراءة المشهد النقابي واستشراف مآلاته جزءا من شخصيته التي عرفها زملاؤه عن قرب. ولم يكن بعيدا عن التفاصيل الدقيقة التي تسبق المؤتمرات وترافقها، ولا عن النقاشات التي تحدد اتجاهاتها وترسم ملامح مكاتبها التنفيذية.
كان يعرف الأشخاص ومواقفهم، ويدرك طبيعة التحالفات والتوازنات، ويعرف متى يتدخل وكيف يقنع، ومتى يدفع باتجاه خيار يراه مناسبا. وفي محطات عديدة، لم يكن مجرد شاهد على التنافس بين المترشحين، بل كان فاعلا في تشكيل الخيارات والتأثير في النتائج، وفي دعم أسماء للوصول إلى المكتب التنفيذي. وقد يختلف معه البعض في تقديراته أو خياراته، لكن يصعب إنكار أنه كان حاضرا بقوة في صناعة المشهد النقابي، وأنه امتلك من الخبرة والعلاقات والتأثير ما جعله أحد وجوهه البارزة.
ولم تكن تلك المكانة وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة مسيرة طويلة في الصحافة والعمل النقابي.
مهنيا، اشتغل الراحل في عدد من المؤسسات الصحفية التونسية، من بينها جريدتا «الصباح» و«الصحافة اليوم»، وتولى مسؤوليات تحريرية، من أبرزها رئاسة تحرير صحيفة «الصحافة اليوم». كما عرف بتحليلاته السياسية ومشاركاته الإعلامية، وامتدت مساهماته إلى صحف عربية، فضلا عن نشاطه في المجال الصحفي العربي بصفته مستشارا لاتحاد الصحفيين العرب. وكانت لديه معرفة واسعة بالشأن الوطني والإقليمي، واهتمام بقضايا استقلالية التحرير وأخلاقيات المهنة وحرية التعبير.
أما نقابيا، فقد كان الهاشمي نويرة من الأسماء التي ارتبطت بمرحلة الانتقال من جمعية الصحفيين التونسيين إلى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين. وقد اختير رئيسا للهيئة التأسيسية المؤقتة التي اضطلعت بإعداد الإطار القانوني والتنظيمي للنقابة سنة 2007، في خطوة مهّدت لقيام الهيكل النقابي الجديد الذي تأسس رسميا في 13 جانفي 2008.
ولم يكن ذلك مجرد موقع في هيكل تأسيسي، بل مسؤولية في لحظة مفصلية من تاريخ المهنة؛ لحظة كان فيها بناء تنظيم نقابي مستقل يملك حق التفاوض والدفاع عن الصحفيين خيارا يتجاوز الأشخاص والمواقع، ليصبح رهانا على مستقبل الصحافة التونسية وقدرتها على حماية أبنائها.
لقد كان الهاشمي من جيل آمن بأن الصحفي لا يحتاج إلى قلم يكتب به فحسب، بل يحتاج أيضا إلى هيكل يدافع عن حقوقه وكرامته واستقلاليته. ومن هنا، ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية مهمة، وبجهد جماعي أسهم في إرساء النقابة التي أصبحت عنوانا من عناوين العمل النقابي الصحفي في تونس.
واليوم، ونحن نتابع مؤتمرا جديدا للنقابة، لا يمكن أن نفصل الحاضر عن تلك البدايات، ولا أن نتحدث عن مسيرة هذا الهيكل دون استحضار الذين أسهموا في بنائه، بكل ما لهم من اجتهادات وخيارات ومواقف، وبما تركوه من أثر في ذاكرة المهنة.
رحل الهاشمي نويرة، لكن رحيله لا يلغي حقه في الذاكرة، ولا يمحو ما قدمه للصحافة والعمل النقابي وكم وددت ان اشاهد على الاقل صورته توشح بهو قاعة المؤتمر اليوم لكن لم يكن الامر كذلك للاسف.
وإذا كان لكل مؤتمر رهاناته وحساباته ومترشحوه، فإن للمؤتمر أيضا لحظات يتوقف فيها الزمن قليلً، لتستعيد الذاكرة أسماء من كانوا جزءا من حكاية هذا الهيكل. والهاشمي واحد من هؤلاء؛ ممن كان حضورهم مألوفا إلى درجة أن غيابهم يصبح لافتا، وممن ارتبطت صورتهم في الأذهان بمواعيد المؤتمرات ونقاشاتها وتفاصيلها التي لا يعرفها إلا من عاشها عن قرب.مثله مثل الزميل زياد الهاني فرج الله كربه واعاده الى حضن عائلته واصدقائه في اقرب الاوقات…
كنت أتمنى أن أراه اليوم بيننا، أن ألتقيه كما اعتدت، وأن نتبادل الحديث حول ما تغير في المهنة وما بقي على حاله، وأن أستمع إلى قراءاته لهذا المؤتمر وما يحمله من تحديات. كنت أتمنى أن يكون حاضرا بخبرته، وبصراحته، ومشاكساته وبذلك الدور الذي كان يؤديه بطريقته الخاصة. لكن الموت لا يستأذن، ويترك خلفه أسئلة كثيرة وذكريات أكثر.
إلى روح الهاشمي نويرة، الأخ والصديق والزميل، تحية وفاء وتقدير. رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجزاك عما قدمته للصحافة التونسية والعمل النقابي خير الجزاء.
سلام عليك في غيابك، وسلام على أيام جمعتنا، وعلى مؤتمرات لن تكون صورتها مكتملة في ذاكرتي بعد اليوم، لأنني سأبحث فيها، كما سأبحث في هذا المؤتمر، عن وجه ألفته طويلا… ولن أجده.
رحم الله الهاشمي نويرة وفرجّ كرب زياد الهاني.





