لوبوان- تونس – كتب سفيان رجب
يؤدي وزير الحج والعمرة السعودي توفيق بن فوزان الربيعة بداية من أمس زيارة الى تونس التقى خلالها نظيره التونسي وزير الشؤون الدينية أحمد البوهالي. حيث تباحثا في الفرص القائمة أمام البلدين لتطوير التعاون على الأقل في خمسة اتجاهات أساسية:
أولا: الرقمنة، عبر تبادل التجارب في الخدمات الإلكترونية وإدارة بيانات الحجيج والمعتمرين.
ثانيا: التكوين، من خلال تدريب الإطارات والمرشدين والمشرفين على مواسم الحج والعمرة.
ثالثا: جودة الخدمات، والاستفادة من التجربة السعودية المتطورة في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية والصحية.
رابعا: العمرة، عبر تطوير التعاون بين الهياكل الرسمية ووكالات الأسفار بما يضمن خدمة أفضل للمعتمرين.
خامسا: التعاون العلمي والثقافي، بين المؤسسات الدينية والجامعات ومراكز الدراسات، بما يعيد تفعيل البعد الحضاري للعلاقة.
ولم تكن زيارة توفيق بن فوزان الربيعة إلى تونس مجرد محطة بروتوكولية، بل جاءت في سياق حركية متصاعدة في العلاقات التونسية السعودية في المجال الديني، ولا سيما في ما يتعلق بتنظيم الحج والعمرة وتحسين الخدمات المقدمة للحجيج والمعتمرين.
وقد أدى وزير الحج والعمرة السعودي توفيق بن فوزان الربيعة اليوم زيارة ميدانية إلى مدينة تونس العتيقة رفقة أحمد البوهالي وسفير المملكة العربية السعودية لدى تونس محمد بن عبد الله بن حمد البريثن، وبحضور عدد من الإطارات السامية من البلدين.
وانطلقت الزيارة من ساحة القصبة، حيث اطلع الوفد على جانب من تاريخ المدينة العتيقة ومعالمها وأسواقها ومساجدها، باعتبارها فضاء تختزن داخله طبقات من التاريخ والثقافة والذاكرة التونسية.
وكانت المحطة الأبرز زيارة جامع الزيتونة المعمور، حيث أدى الوفد الصلاة، قبل أن يلتقي مفتي الجمهورية هشام بن محمود. وتمحور اللقاء حول عمق العلاقات التاريخية القائمة بين تونس والمملكة العربية السعودية، في مشهد جمع بين رمزية أحد أعرق المعالم الدينية في تونس وبين مسؤول سعودي يحمل ملفا يرتبط مباشرة بخدمة المسلمين القادمين إلى البقاع المقدسة.
زيارة تحمل أكثر من رسالة
قد تبدو زيارة المدينة العتيقة وجامع الزيتونة للوهلة الأولى ذات طابع ثقافي وروحي، لكنها في سياق العلاقات التونسية السعودية تحمل دلالات أوسع.
فأن تكون بداية زيارة وزير الحج والعمرة السعودي من القصبة والزيتونة، يعني أن ملف الحج والعمرة لا ينظر إليه فقط باعتباره ملفا تنظيميا وإداريا، وإنما أيضا باعتباره جزءا من علاقة تاريخية وثقافية ودينية أوسع بين البلدين.
وهنا تكتسب الزيارة أهميته، فالسعودية تستضيف ملايين المسلمين في مواسم الحج والعمرة، فيما تمثل تونس، بتاريخها الزيتوني وعلمائها ومؤسساتها الدينية، إحدى المدارس الإسلامية العريقة في شمال إفريقيا.
وبالتالي فإن التعاون بين الطرفين يمكن أن يتجاوز تنظيم الرحلات والإقامة والنقل إلى مجالات أوسع تتعلق بالتكوين والتجربة المؤسساتية والخدمات الرقمية والتبادل العلمي والثقافي.
اتصالات وتنسيق
زيارة وزير الحج والعمرة السعودي لم تأت من فراغ، ففي 2 أكتوبر الجاري، استقبل وزير الشؤون الدينية أحمد البوهالي سفير المملكة العربية السعودية بتونس محمد بن عبد الله بن حمد البريثن، وكان من أبرز محاور اللقاء مزيد التنسيق في مجال تنظيم الحج والعمرة، إلى جانب التحضير لزيارة توفيق الربيعة إلى تونس.
وأشادت الوزارة آنذاك بالسمعة التي يحظى بها مكتب حجاج تونس من حيث حسن التنظيم والتأطير واحترام القوانين والتراتيب السعودية، وهو ما انعكس، وفق الوزارة، على صورة الحجيج والمعتمرين التونسيين.
وبذلك يمكن النظر إلى زيارة اليوم باعتبارها محطة في مسار تنسيق لم يبدأ اليوم، وإنما يتواصل منذ فترة بين المؤسستين التونسية والسعودية المعنيتين بالحج والعمرة.
من تونس إلى مكة.. مسار متواصل
وفي ماي الماضي، كان وزير الشؤون الدينية أحمد البوهالي، بصفته رئيس مكتب حجاج تونس، قد التقى وزير الحج والعمرة السعودي توفيق الربيعة في مكة المكرمة. وكان اللقاء مناسبة لتناول عدد من المسائل المتعلقة بموسم الحج، كما سلّم الوزير التونسي رسالة خطية من رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.
كما شهد موسم الحج لسنة 2026 تكثيفا للتنسيق بين مختلف الأطراف التونسية والسعودية، من وزارة الشؤون الدينية ومكتب حجاج تونس إلى البعثة الدبلوماسية والخطوط الجوية والهياكل السعودية المعنية بخدمة الحجيج.
واللافت أن التحضير لموسم الحج المقبل 1448هـ/2027م بدأ بدوره مبكرا، إذ عقدت وزارة الشؤون الدينية في سبتمبر اجتماعات مع ممثلي الخطوط السعودية والخطوط التونسية والمتدخلين في ملف الحج والعمرة لمتابعة ترتيبات سفر الحجيج.
جودة الخدمة عنوانا للعلاقة
لقاء الوزيرين السعودي والتونسي أمس وفحواه، يؤكد أن التعاون لم يعد يقتصر على الترتيبات التقليدية للحج. فالحج اليوم أصبح منظومة متكاملة تشمل النقل والإيواء والصحة والإرشاد والخدمات الرقمية وإدارة حركة ملايين الأشخاص في وقت واحد.
وهذا يفرض على الدول الموفدة للحجيج، ومنها تونس، تطوير أدواتها باستمرار، كما يفرض على المملكة العربية السعودية، باعتبارها الجهة المنظمة والمشرفة على خدمة ضيوف الرحمن، توسيع قنوات التنسيق مع مكاتب الحج في مختلف الدول.
وفي هذا السياق، فإن حصول تونس على الجائزة البرونزية “لبّيتم” للتميز في خدمات ضيوف الرحمن، ضمن جوائز وزارة الحج والعمرة السعودية، يمثل مؤشرا على مستوى التنسيق والتعاون بين الطرفين.
من الزيتونة إلى الحرمين.. البعد الثقافي لا يقل أهمية
زيارة وزير الحج والعمرة السعودي توفيق بن فوزان الربيعة الى تونس تحمل بعدا رمزيا لا يمكن تجاهله. فجامع الزيتونة ليس مجرد مسجد تاريخي، بل مؤسسة علمية لعبت على مدى قرون دورا كبيرا في تكوين العلماء ونشر المعرفة الدينية في تونس ومحيطها العربي والإسلامي. وفي المقابل، تمثل مكة والمدينة مركز الثقل الروحي للعالم الإسلامي. ومن ثم فإن وضع الزيتونة في مسار زيارة وزير الحج والعمرة السعودي يمكن قراءته باعتباره استحضارا لبعد ثقافي وحضاري في العلاقات التونسية السعودية، إلى جانب البعد الإداري المرتبط بالحج والعمرة.
وهو ما يمكن أن يفتح مستقبلا مجالات للتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية والجامعات ومراكز الدراسات، بما يسمح بإعادة بناء جسور التبادل العلمي والثقافي بين البلدين.







