لوبوان تونس – كتب غسان رجب
لم يكن التعادل أمام أوغندا في افتتاح تصفيات كأس إفريقيا 2027 مجرد نقطتين ضائعتين، ولم يكن التعادل الثاني اليوم الاثنين أمام بوتسوانا في رادس بالذات امام فريق ضعيف وحارس مرمى زائد على الأقل 20 كلغ في وزنه، مجرد نتيجة عابرة يمكن وضعها بسهولة في خانة “كرة القدم لا تعترف بالمنطق”.
المشكلة أن المباراتين جاءتا بعد أسابيع قليلة فقط من واحدة من أكثر المشاركات التونسية سوءا في كأس العالم 2026.
هناك، في المونديال، أنهت تونس الدور الأول في المركز الأخير لمجموعتها دون أي نقطة، بعد ثلاث هزائم متتالية أمام السويد 1-5، واليابان 0-4، وهولندا 1-3، وبحصيلة هدفين فقط مقابل 12 هدفا في شباكها.
وهنا، في رادس، كان المطلوب بداية مختلفة ورسالة واضحة بأن مرحلة جديدة قد بدأت.
لكن الرسالة لم تصل بعد.
من 1-1 إلى 2-2… والإنذار يتكرر
في المباراة الأولى أمام أوغندا، دخل المنتخب التونسي بشكل جيد ونجح آدم عروس في افتتاح التسجيل في الدقيقة 12. وكانت هناك أفضلية تونسية واضحة خلال جزء مهم من الشوط الأول، لكن الفريق لم يحافظ على نسقه بعد الاستراحة، قبل أن يدرك روجرز ماتو التعادل في الدقيقة 68.
كان التعادل قابلا للتبرير باعتباره المباراة الأولى لمنتخب يعيش مرحلة إعادة تشكيل. لكن مواجهة بوتسوانا حملت سؤالا أكثر إلحاحا. فبعد أن كان المنتخب مطالبا باستغلال عاملي الأرض والجمهور وتحقيق انتصاره الأول، انتهت المباراة بتعادل 2-2، ليبقى رصيد تونس نقطتين فقط بعد جولتين.
المفارقة أن البداية المتعثرة لا يمكن تفسيرها بقوة المنافسين وحدها. فالمباراتان جرتا في رادس، وفي التصفيات التي يفترض أن تكون فيها كل نقطة على أرضك ذات قيمة مضاعفة.
المشكلة ليست في النتيجة وحدها
قد يكون من السهل اختزال المشهد في عبارة: “المنتخب لم يفز”. لكن القراءة الأعمق تذهب إلى مكان آخر.
ما يثير القلق هو أن الصورة التي ظهرت في المباراتين لا تعكس حتى الآن منتخبا يمتلك شخصية واضحة ومستقرة لمدة 90 دقيقة.
أمام أوغندا، ظهر فريق قادر على الضغط وصناعة الأفضلية في فترات من اللقاء، لكنه تراجع تدريجياً وسمح للمنافس بالعودة.
وأمام بوتسوانا، تكرر جزء من السيناريو نفسه: قدرة على التسجيل، لكن صعوبة في التحكم في المباراة والمحافظة على الأفضلية، مقابل هشاشة دفاعية تجعل أي تراجع في التركيز مكلفا.
وهنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا: هل تعاني تونس من مشكلة نتائج، أم من مشكلة في طريقة إدارة المباريات نفسها؟
مونديال 2026… الجرح الذي لم يلتئم
يصعب فصل ما يحدث اليوم عما حدث في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. فالمشاركة التونسية في كأس العالم انتهت بثلاث هزائم، وكان المنتخب قد خرج عمليا من حسابات التأهل بعد جولتين، إثر الخسارتين الثقيلتين أمام السويد واليابان.
ولذلك فإن المطلوب بعد المونديال لم يكن مجرد تغيير بعض الأسماء. كان المطلوب إعادة بناء الثقة، وتحديد هوية فنية، وإعادة ترتيب العلاقة بين كل من يحيط بالمنتخب.
وقد بدأت مرحلة جديدة فعلا مع تغييرات في المجموعة. ووفق المعطيات المنشورة، احتفظ المدرب معين الشعباني بـ14 لاعبا فقط من المجموعة التي شاركت في المونديال، مع عودة أسماء مثل فرجاني ساسي وعيسى العيدوني وعلي معلول، إلى جانب وجوه جديدة. لكن إعادة البناء تحتاج إلى أكثر من تغيير القائمة. بل تحتاج إلى منظومة لعب واضحة.
هل نملك منتخبا جديدا أم مجرد قائمة جديدة؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي تفرضه بداية التصفيات. فتغيير اللاعبين لا يعني بالضرورة تغيير المنتخب. فالمنتخب الجديد يحتاج إلى شخصية جديدة، وإلى أدوار محددة، وإلى قدرة على التعامل مع المباراة عندما يسجل أولا، وعندما يتلقى هدفا، وعندما يواجه منافسا يغلق المساحات.
وهذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين فريق يدخل المباراة وهو ينتظر ما سيحدث، وفريق يدخلها وهو يعرف ماذا يريد.
حتى الآن، تبدو تونس في مرحلة البحث عن هذه الإجابات. وهذا أمر يمكن تفهمه في منتخب خرج لتوه من تجربة مونديالية قاسية ويعيش تغييرا فنيا وبشريا. لكن المشكلة أن التصفيات لا تمنح الكثير من الوقت للبحث.
مجموعة لا تحتمل إضاعة المزيد
تزداد قتامة التعادلين عندما ننظر إلى نظام المجموعة.فتونس موجودة في المجموعة الثامنة إلى جانب أوغندا وبوتسوانا وليبيا. وبما أن أوغندا من الدول المضيفة لكأس إفريقيا 2027، فقد كانت وضعية المجموعة استثنائية، إذ إن بطاقة التأهل المتبقية ستكون محل منافسة بين تونس وليبيا وبوتسوانا. كما أكدت الـCAF احتساب نقاط مباريات أوغندا ضمن الترتيب.
وهذا يجعل كل نقطة ثمينة. فالتعادل أمام أوغندا لم يكن كارثة رغم قساوته. والتعادل أمام بوتسوانا لا يعني أن تونس فقدت فرصها. لكن تكرار السيناريو نفسه مرتين على ملعب رادس يرفع مستوى القلق. فالمنتخب الذي يريد تصدر المجموعة لا يستطيع أن يتعامل مع مبارياته البيتية باعتبارها مساحة للتجريب المفتوح.
رادس… من نقطة قوة إلى عقدة؟
ربما يكون هذا أحد أكثر الأسئلة حساسية. لطالما كان ملعب رادس، بجمهوره وضغطه وأجوائه، مساحة يفترض أن تمنح المنتخب التونسي أفضلية. لكن التعادل أمام أوغندا ثم التعادل أمام بوتسوانا يطرح احتمالا مختلفا: هل أصبح المنتخب يدخل مبارياته في رادس تحت ضغط ضرورة الفوز، فيتحول هذا الضغط تدريجيا إلى عامل توتر؟
عندما يتأخر التسجيل، ترتفع درجة الاستعجال. وعندما يسجل المنتخب، يصبح الحفاظ على النتيجة هاجسا. وعندما يدرك المنافس التعادل، تدخل المباراة في مرحلة ارتباك. وهذه الدائرة النفسية والفنية هي ما يحتاج المنتخب إلى كسرها سريعا.
بعد فضيحة المونديال… لا يكفي تغيير المدرب واللاعبين
المشاركة في مونديال 2026 كشفت مشكلات كبيرة، لكن الخروج منها لا يكون بتغيير الأسماء فقط. المطلوب اليوم وبأقصى سرعة هو تقييم شامل:
- ماذا نريد من المنتخب فنيا؟
- ما أسلوب اللعب الذي يناسب اللاعبين المتاحين؟
- كيف ننتقل من الدفاع إلى الهجوم؟
- لماذا تتراجع نسق المباراة بعد بداية جيدة؟
- لماذا يصعب الحفاظ على التقدم؟
- ولماذا أصبحت المباريات التي يفترض أن تكون تحت السيطرة مفتوحة على كل الاحتمالات؟
هذه أسئلة فنية قبل أن تكون أسئلة جماهيرية. وهي أيضا أسئلة تخص الإدارة والاختيارات والتكوين والاستمرارية.
الشعباني أمام امتحان مختلف
بالنسبة إلى المدرب او “الناخب” معين الشعباني، فإن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة. ليس لأنه مسؤول وحده عن إرث المونديال أو عن سنوات من التراكمات، وإنما لأنه أصبح المسؤول عن محاولة تحويل هذا المنتخب إلى فريق قادر على المنافسة مجددا.
وقد بدأ مهمته في ظروف معقدة: مجموعة جديدة، لاعبون جدد، عودة بعض الأسماء، وانتظارات جماهيرية مرتفعة بعد صدمة كأس العالم.
لكن المدرب سيحاسب في النهاية على شيء واضح: هل يستطيع أن يمنح المنتخب هوية؟
فالنتائج مهمة، لكنها غالبا تأتي كنتيجة لهوية فنية مستقرة وليست بديلا عنها.
فتونس تحتاج إلى أكثر من انتصار، قد يكون الفوز في المباراة المقبلة كفيلا بتهدئة الأجواء، لكن الفوز وحده لن يمحو الأسئلة التي تراكمت منذ المونديال بل حتى قبله بأكثر من عقدين.





