لوبوان تي ان :
في 8 جويلية 2026، ومن الرباط بالمملكة المغربية، لا يجتمع الفنانون هذه المرة لافتتاح مهرجان أو لتوزيع الجوائز أو لالتقاط الصور أمام عدسات المصورين، بل ليفكروا.
نعم… ليفكروا!في زمن أصبح فيه التفكير نفسه فعلًا ثوريًا.
فالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) تنظم الجلسة السابعة من المنتدى الدولي “الثقافة من أجل إعادة التفكير في العالم” تحت عنوان “الفنانون والمواطنة الفاعلة”، بمشاركة الجامعي المغربي نبيل بنعبد الجليل، والمفكر المغربي الدكتور بوعزة بن عاشر، والباحث عبد الإله كريم، إلى جانب المسرحي والفنان التونسي رؤوف بن بغلان.
ويا لها من مفارقة ساخرة…
في عالم يقيس قيمة الفنان بعدد متابعيه على منصات التواصل الاجتماعي، تأتي الإيسيسكو لتطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا بقي من الفنان عندما ينطفئ الهاتف؟ هل يبقى مجرد وجه يعرفه الناس… أم عقل يساعد المجتمع على فهم نفسه؟
لقد تحول “الترند” إلى أكبر ناقد فني في عصرنا؛ يمنح الشهرة في ثلاثين ثانية، ثم يسحبها في الدقيقة الحادية والثلاثين. أما الفكر، فما زال يسير على قدميه ببطء، لكنه يصل دائمًا إلى التاريخ قبل الجميع.
ومن هنا تكتسب مشاركة الفنان والمسرحي التونسي رؤوف بن بغلان معناها الحقيقي. فمن يتابع مسيرته يدرك أنه لم يحصر نفسه داخل حدود الخشبة، بل جعل من المسرح نافذة للتأمل في الإنسان، ومن الفن وسيلة لطرح الأسئلة الكبرى حول الثقافة، والمجتمع، والسياسة، والهوية، والمواطنة. فبالتوازي مع عطائه المسرحي، ظل حاضرًا في فضاءات الحوار والفكر، مؤمنًا بأن الفنان ليس صانع فرجة فقط، بل صانع وعي أيضًا.
الفيلسوف ألبير كامو كتب يومًا: “الفنان لا يقف بمعزل عن زمنه.” وربما كان يقصد أمثال هؤلاء الذين يفهمون أن الستارة لا تُغلق عند نهاية العرض، بل تُفتح على نقاش جديد يبدأ خارج المسرح.
الأوطان لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من الأسئلة. لأن السؤال هو أول درجات الحرية، والفن هو أجمل طريقة لطرح السؤال دون أن يتحول إلى خطبة أو منشور غاضب.
لذلك، فإن مثل هذه الندوات ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية. فحين يجلس المسرحي إلى جانب الجامعي، والمفكر إلى جانب الفنان، تصبح الثقافة مشروعًا لبناء الإنسان، لا مجرد نشاط يُدرج في رزنامة المناسبات.
وربما هنا يكمن المعنى الأعمق للمواطنة الفاعلة؛ أن يكون الفنان حاضرًا في خشبة المسرح، كما هو حاضر في معركة الأفكار. وأن يدرك المجتمع أن التصفيق للعروض جميل… لكن الإصغاء إلى الأفكار التي تنتجها تلك العروض أجمل وأبقى.
فالحضارات لا يكتبها الذين يصفق لهم الجمهور فقط… بل يكتبها أيضًا أولئك الذين يجرؤون على التفكير، في زمن أصبح فيه التفكير نفسه يحتاج إلى شجاعة.
شكري بن حسين





