أراء

ما بعد الجامعة العربية: حرب إيران وإعادة تشكيل جيوبوليتيك غرب آسيا

«لم تكن الجامعة مشروع وحدة، بل أقرب إلى آلية ضبط للنزوع إلى الوحدة ولمنع الاندماج السياسي الفعلي »

كتب حامد بن ابراهيم

لم تكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بل لحظة كاشفة لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي في غرب آسيا، يتجاوز حدود الصراع المباشر إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن والردع والتحالف. فقد أظهرت هذه الحرب أن التوازنات التقليدية التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية لم تعد قادرة على ضبط ديناميات القوة، وأن الجغرافيا السياسية للمنطقة تتجه نحو إعادة تركيب واسعة تتداخل فيها اعتبارات الدولة، والممرات الحيوية، والتحالفات العابرة للإقليم، مع طبقات أعمق من الإدراك الهُويّاتي والتاريخي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال محصورًا في نتائج المواجهة بين طهران وواشنطن وتل أبيب، بل في الكيفية التي تعيد بها هذه المواجهة تشكيل إدراك الفاعلين الإقليميين لطبيعة التهديد وحدود الردع. فقد أظهر صمود إيران، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المركبة، أن معادلة القوة في الإقليم ليست أحاديّة الاتجاه، بل قابلة لإعادة التوازن حتى في ظل اختلالات كبيرة. وفي المقابل، ساهم تصاعد الخطاب الإسرائيلي حول إعادة هندسة الشرق الأوسط في تعزيز قناعة متزايدة بأن المنطقة تدخل مرحلة سيولة استراتيجية، حيث تتراجع الضمانات التقليدية لصالح منطق الردع المتبادل المفتوح.

ضمن هذا التحول، تبدو الوظيفة البنيوية للجامعة العربية كإطار مؤسسي قد تآكلت، ليس فقط بفعل ضعف آليات القرار، بل نتيجة تراجع الفرضية التي قامت عليها منذ 1945، أي إمكانية إنتاج أمن جماعي عربي مستقل مع الحفاظ على قداسة القُطريّة. فقد تأسست الجامعة في سياق دولي كانت فيه بريطانيا تسعى إلى تنظيم المجال العربي – بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية – عبر صيغة تجمع بين إدارة الإستقلالات الناشئة مع تثبيت حدود التقسيم السياسي؛ منعا لتهديد مصالح القوى الاستعماريّة. وقد انعكس ذلك في هندسةٍ مؤسّسيّةٍ قائمة على السيادة المطلقة للدول، وربط القرار بالإجماع، بما حوّل الجامعة إلى إطار تنسيقي أكثر منه بنية تكاملية. وهكذا، لم تكن الجامعة مشروع وحدة، بل أقرب إلى آلية ضبط للنزوع إلى الوحدة ولمنع الاندماج السياسي الفعلي.

ومع مرور الزمن، تعمّق هذا القصور البنيوي مع التحولات التي شهدتها المنطقة، خصوصًا بعد الاتفاقيات «البَراهَاميّة» (غير الابراهيميّة)، التي أعادت رسم خرائط الاصطفاف داخل النظام العربي، وأضعفت القدرة على إنتاج تعريف موحد للأمن القومي. فقد تباينت المقاربات بين دول ترى في إسرائيل شريكًا أمنيًا واقتصاديًا، بل ضامنا لوجودها في مواجهة تهديدات أخرى، ودول تعتبر أن استمرار الاحتلال والسياسات التوسعية يمثل التهديد البنيوي الأساسي للاستقرار الإقليمي. هذا الانقسام لم يعد خلافًا سياسيًا ظرفيًا، بل تحول إلى اختلاف في «بنية التصور الأمني» نفسها، وهو ما جعل الجامعة عاجزة عن إنتاج موقف جامع. يثير ذلك إشكالية، خاصة أمام الفشل حتى في رفع الصوت تجاه ما حصل في غزة من إبادة (بتقييمات دولية وأممية متواترة) والمأساة الانسانية المتواصلة.

ويمتد هذا التآكل إلى البنى الإقليمية الفرعية. فالفضاء المغاربي يعاني شللًا مزمنًا نتيجة التوتر بين الجزائر والمغرب، بينما يواجه مجلس التعاون الخليجي تباينات استراتيجية تتجاوز إدارة الخلافات السياسية إلى اختلافات في تعريف مصادر التهديد وشبكات التحالف والانفتاح الدولي. وفي هذا السياق، تبدو مسألة الاندماج الخليجي أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطاب الرسمي، ليس فقط بسبب الخلافات السياسية، بل بفعل تشابك البيئة الإقليمية الجنوبية للخليج مع الأزمة اليمنيّة، حيث يشكل اليمن نقطة ارتكاز حساسة في معادلات أمن البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من أبعاد تتعلق بالممرات التجارية العالمية وأمن الطاقة.

وتكتسب هذه الساحة الجنوبية بعدًا إضافيًا في التحليل الجيوسياسي، إذ لا يمكن فصلها عن التداخل بين الجغرافيا والاستقطاب الإقليمي، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع البنى الاجتماعية والسياسية والدينية. وفي هذا الإطار، لا تعمل الهويات المذهبية (السنية/السلفية، الاباضية، الزيدية، الشيعية) بوصفها محددًا صرفًا للسلوك السياسي، لكنها تؤدي دور المنظار الذي تتسنّى من خلاله قراءة ديناميكية التقارب والتحالفات. فحتى في ظل هيمنة الاعتبارات الجيوسياسية الصلبة، تظل البنى العقائدية والتاريخية جزءًا من مدخلات تصورات الفاعلين الإقليميين، سواء في بناء سرديات الشرعية والتحالف، أو في تفسير طبيعة التهديد.

بالتوازي مع ذلك، يشهد الشرق الأوسط تحولًا تدريجيًا من منطق الأيديولوجيا إلى منطق الجيو-اقتصاد. فقد تراجعت المشاريع الوحدوية الاندماجيّة العابرة للحدود لصالح مقاربات تركز على الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية، وانسياب سلاسل الإمداد وأمن الطاقة. هذا التحول، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التدخل بالموارد في الصراعات الممتدة (تمويل الانفصاليين والانفاق على التطرف الديني) لم تعد تحقق مكاسب استراتيجية، بل أصبح عبئًا على مشاريع الدول التنموية؛ ما يدفعها إلى إعادة صياغة أولوياتها الخارجية وفق منطق البراغماتية وإدارة التوازنات.

وقد أعادت التهديدات العابرة للحدود فرض نفسها كعامل بنيوي يدفع نحو أنماط جديدة من التعاون، حتى بين أطراف متباينة سياسيًا. فملفات مثل أمن الممرات البحرية، والحركات الانفصالية، والإرهاب، فرضت مستويات من التنسيق بين قوى إقليمية كتركيا وإيران وباكستان والعراق وسوريا، بما يعكس انتقال العلاقات من منطق التحالفات الصلبة إلى ترتيبات مرنة قائمة على تقاطع المصالح.

ويتزامن ذلك مع تغير أوسع في بنية النظام الدولي، حيث لم يعد غرب آسيا محكومًا بهيمنة قطب واحد، بل بات يتحرك ضمن فضاء متعدد الأقطاب تتقدم فيه الصين كقوة اقتصادية ودبلوماسية، وتستعيد روسيا دورها كفاعل أمني مؤثر. هذا التحول فتح المجال أمام القوى الإقليمية لإعادة تموضعها داخل شبكات علاقات متعددة المستويات، بدل الارتهان لمحور واحد (الأطلسي)، بما يعيد تعريف مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية في الإقليم.

ضمن هذا السياق، يبرز الحديث عن منظمة التعاون الإسلامي باعتبارها إطارًا محتملًا لإعادة تنظيم المجال الجيوسياسي الأوسع من الإطار العربي التقليدي. فهي تجمع قوى محورية تمتد من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا وجنوب شرقها، بما يمنحها ثقلًا ديموغرافيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا متزايدًا. غير أن أهميتها لا تكمن في كونها بديلًا للجامعة العربية، بل في كونها طبقة إضافية من التنسيق تعكس تشابك المصالح في نظام دولي آخذ في التعدد. المنظمة قد توفر اطارا للتواصل مع الصين والهند وروسيا، باعتبارها دولا تضم مئات ملايين المسلمين، وتحتاج لصيغة تضمن التوازن بين ضمان حرية ممارسة الشعائر والتوقّي من أجندات التطرف.

في المحصلة، لا يشير مسار التحولات إلى قطيعة مؤسسية أو تجاوز كلّي للجامعة العربية، بل إلى انتقال أعمق في منطق العمل الجماعي العربي. وهكذا، فإن «ما بعد الجامعة العربية» ليس سوى تحول تاريخي في إدارة القضايا العامة للإقليم، من بنية مؤسّسية شاملة، ذات قدرة محدودة على الفعل، إلى «نظام استجابة» يقوم على شبكات مرنة من التعاون تتغير وفق الملفات والتوازنات.

وهكذا، لم يعد «النظام العربي» وحدة مكتملة، بل مستوى ضمن مستويات متعددة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لغرب آسيا. سنكون مستقبلاً أمام انتقال من فضاء عربي محدود القدرة على إنتاج الردع، إلى مجال جيوسياسي أوسع تتقاطع فيه الهُويات مع المصالح، وتُعاد فيه صياغة التحالفات والتهديدات في علاقة جدلية مع ما تفرضه التعددية القطبية الصّاعدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى