رياضة

دربي بعيدا عن الكرة… او حين تصبح الكواليس سيدّة الميدان

لوبوان-كتب سفيان رجب

لم يعد لقاء الترجي الرياضي التونسي والنادي الافريقي مجرد مباراة في كرة القدم. فالدربي الذي ينتظره التونسيون كل موسم بشغف، تحوّل هذه المرة إلى مرآة تعكس أزمة أعمق تضرب صميم اللعبة في تونس، كرة قدم تلعب خارج خطوط الميدان، وتحسم أحيانا قبل صافرة البداية.

منذ أيام، تصاعدت وتيرة التوتر عبر البلاغات الرسمية، والتصريحات المتبادلة، والاحتجاجات التي تجاوزت حدود الروح الرياضية. كل طرف يرى نفسه ضحية، وكل بيان يكتب بلغة تصعيدية، حتى كاد المشهد يختزل في صراع مؤسساتي لا علاقة له بكرة القدم. في هذا المناخ المشحون، لم يعد السؤال من سيفوز في دربي الاحد القادم، بل هل ما زالت اللعبة نفسها هي الرابح الأكبر؟

الاتحاد، الرابطات، الهيئات، وحتى الجهات الأمنية، أصبحت جزءا من معادلة معقدة، حيث تتداخل الرياضة بالسياسة، والجماهير بالضغوط، والقرارات بالاتهامات. وفي ظل هذا التداخل، يتراجع دور المستطيل الأخضر، ليحل محله “مستطيل” آخر ترسم فيه خطوط الصراع خلف الكواليس.

المقلق أكثر أن هذا التوتر لم يعد استثنائيا. بل أصبح نمطا متكررا في كبرى المواجهات، ما يعكس هشاشة المنظومة الكروية في تونس. فبدل أن كانت كرة القدم متنفسا اجتماعيا ومجالا للتنافس الشريف، تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات، حيث تستعمل الجماهير كورقة ضغط، وتوظف البلاغات كأدوات مواجهة.

الجمهور المحب للرياضة، الذي يفترض أن يكون قلب اللعبة النابض، يجد نفسه اليوم بين مطرقة الانتماء وسندان الخوف. الخوف من الانزلاق نحو العنف، ومن فقدان متعة الفرجة، ومن مشاهدة كرة قدم تدار بالعصبية بدل العقل. فكيف يمكن إقناع مشجع بأن اللعبة ما زالت نظيفة، وهو يرى كل هذا الاحتقان يسبق مباراة يفترض أنها احتفال رياضي؟

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أحداث مباراة بعينها، بل في ترسيخ ثقافة الشك والتوتر. حين تصبح كل مواجهة “ملغومة”، وكل قرار تحكيمي “مؤامرة”، وكل نتيجة “غير مستحقة”، فإننا نكون أمام أزمة ثقة عميقة تهدد مستقبل كرة القدم التونسية.

الدربي القادم قد يمر بسلام، وقد ينتهي بفائز وخاسر، لكن الأهم هو ما سيبقى بعده. هل سنعود للحديث عن الأهداف والمهارات؟ أم سنظل أسرى البلاغات والاحتجاجات؟

كرة القدم التونسية اليوم أمام مفترق طرق، إما العودة إلى جوهر اللعبة، حيث يحسم كل شيء فوق العشب، أو الاستمرار في هذا الانحدار، حيث تدار المباريات خارج الملعب، وتكتب نتائجها في كواليس لا يراها الجمهور.

في النهاية، الدربي ليس مجرد 90 دقيقة… بل اختبار حقيقي لقدرة تونس على إنقاذ لعبتها الأكثر شعبية قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى