لم تكن الجريمة التي شهدتها قرية حمود في محافظة الكرك، جنوبي الأردن، مجرد حادثة إطلاق نار أوقعت ضحايا وجرحى، بل كانت اعتداء بالغ الخطورة على حق الإنسان في الحياة، وعلى حرمة دور العبادة، وعلى أمن المواطنين في لحظة يفترض أن تكون مخصصة للوداع والحزن والتضامن الإنساني.
فحين يتحول مجلس العزاء إلى مسرح للعنف، وحين يُستهدف أشخاص تجمعوا لتشييع جنازة، فإن الجريمة تتجاوز ضحاياها المباشرين لتصيب المجتمع بأسره، وتطرح أسئلة جدية حول التحديات الأمنية والفكرية التي تواجه الدول في ظل تنامي مخاطر التطرف والعنف.
وقد أفادت السلطات الأردنية، اليوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، بمقتل سبعة أشخاص وإصابة 34 آخرين في الهجوم الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود، فيما تواصلت الإجراءات الأمنية والتحقيقات لكشف ملابسات الاعتداء ومحاسبة المسؤولين عنه.
إن فداحة هذه الجريمة لا تكمن في حصيلة ضحاياها وحدها، بل كذلك في دلالاتها الإنسانية والأمنية، وفي كونها استهدفت مواطنين يمارسون حقهم في تشييع موتاهم وإقامة شعائرهم الدينية في أمان وكرامة.
جريمة تستوجب العدالة والمواجهة الحازمة
إن استهداف مواطنين في محيط دار للعبادة، وفي أثناء مراسم تشييع، يمثل اعتداء على أبسط الحقوق الإنسانية، ويستوجب موقفا حازما من الدولة والمجتمع، يبدأ بكشف الحقيقة كاملة، ولا ينتهي إلا بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة وفق القانون.
وفي مثل هذه الأحداث، تبرز أهمية التعامل مع الوقائع بأقصى درجات الجدية، بعيدا عن التسرع في تحديد الدوافع أو إطلاق الأحكام قبل استكمال التحقيقات. فمواجهة الجريمة تقتضي تحديد المسؤوليات بدقة، والتثبت من طبيعة الاعتداء وخلفياته، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره.
كما أن مكافحة الإرهاب والتطرف لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة المنفذين بعد وقوع الاعتداء، مهما كانت أهمية ذلك، بل تستوجب مواصلة العمل على تجفيف منابع الفكر المتطرف، ومواجهة الخطابات التي تبرر العنف أو تحرض عليه، وتعزيز قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية والتربوية والإعلامية على التصدي لمختلف أشكال التهديد.
فالأمن المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، وإن كانت القوة القانونية والأمنية ضرورة لا غنى عنها، بل يقوم أيضا على اليقظة المؤسسية، وفاعلية أجهزة الدولة، وثقة المواطنين في قدرتها على حمايتهم، وتطبيق القانون على الجميع.
الأردن وقيادته في مواجهة تحديات الأمن والاستقرار
تضع هذه الجريمة مسؤولية مؤسسات الدولة الأردنية في صدارة المشهد، وتعيد التأكيد على أهمية الدور الذي تضطلع به القيادة الأردنية في حماية استقرار المملكة وصون أمن مواطنيها في محيط إقليمي ودولي تتشابك فيه التحديات الأمنية والسياسية.
ويبرز في هذا السياق دور الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي جعل أمن الأردن واستقراره، وحماية مصالحه الوطنية، وتعزيز الاعتدال والتسامح، محاور أساسية في توجهات المملكة ومواقفها.
وقد واجه الأردن، على امتداد السنوات الماضية، تحديات إقليمية معقدة، من تداعيات الأزمات والحروب المحيطة به إلى مخاطر التنظيمات الإرهابية والفكر المتطرف. وفي ظل هذه الظروف، اكتسب الحفاظ على أمن المملكة ومؤسساتها واستقرارها أهمية مضاعفة، ليس للأردنيين وحدهم، بل أيضا بالنسبة إلى استقرار المنطقة.
ومن هنا، فإن مواجهة الجريمة الأخيرة تقتضي مواصلة اليقظة الأمنية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة المختصة، وتوفير كل الإمكانات اللازمة لكشف ملابسات الاعتداء ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
كما تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، في حماية البلاد والتصدي للتهديدات التي تستهدف أمنها، إلى جانب دور القضاء في إرساء العدالة وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من العقاب.
إن دعم الأردن في مواجهة الإرهاب لا يعني الاكتفاء بالتعبير عن التضامن بعد وقوع المآسي، بل يقتضي الإقرار بحق الدولة في حماية مواطنيها ومؤسساتها، ومساندة جهودها المشروعة في مكافحة التطرف، وفق القانون واحترام الحقوق الأساسية.
وفي هذا الإطار، تمثل صلابة المؤسسات وقدرتها على العمل المنسق والفعال إحدى أهم ضمانات الاستقرار، خصوصا عندما تستهدف الجرائم أماكن العبادة والتجمعات المدنية، بما تحمله من مخاطر تتجاوز الاعتداء المباشر إلى محاولة بث الخوف في المجتمع.
الكرك.. تاريخ وطني أعمق من محاولات الترهيب
تحتل محافظة الكرك مكانة بارزة في التاريخ الأردني، بما تحمله من رمزية وطنية واجتماعية، وبما قدمه أبناؤها من إسهامات في بناء الدولة والدفاع عنها.
ومن الصعب فصل هذه المكانة عن طبيعة المجتمع الأردني الذي تشكلت هويته عبر تاريخ طويل من التفاعل بين مكوناته، وفي مقدمتها المسلمون والمسيحيون الذين تجمعهم روابط المواطنة والجوار والعمل والمشاركة في الحياة العامة.
فالمسيحيون الأردنيون ليسوا مكونا طارئا على تاريخ المملكة، بل هم جزء أصيل من نسيجها الاجتماعي والوطني، ولهم إسهامات معروفة في مجالات التعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة، كما شاركوا في مسيرة بناء الدولة ومؤسساتها.
وهذه الحقيقة ليست مجرد عنوان للتسامح، بل تعبير عن تجربة تاريخية متجذرة، أثبتت أن الهوية الوطنية الأردنية أوسع من الانتماءات الدينية، وأن قوة الدولة تستند إلى مواطنة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء على مواطنين مسيحيين لا يمكن اختزاله في حادثة تخص فئة بعينها، بل هو اعتداء على أمن الأردن ومجتمعه، وعلى حق المواطنين في ممارسة شعائرهم الدينية دون خوف.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الجريمة إلى مناسبة لتضخيم مخاطر الانقسام أو تصوير المجتمع الأردني وكأنه أمام مواجهة بين مكوناته. فالمطلوب هو التركيز على الجريمة ومسؤولية مرتكبيها، وعلى دور الدولة في حماية الجميع، وعلى ضرورة استمرار الجهود الرامية إلى تحصين المجتمع من التطرف.
إن تاريخ الأردن وما راكمه أبناؤه من تجارب وتضحيات يشكلان رصيدا وطنيا مهما في مواجهة محاولات الترهيب، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب أيضا اليقظة والعمل المستمر، وعدم التقليل من خطورة أي اعتداء يمس أمن المواطنين.
الإرهاب لا يستهدف الضحايا وحدهم
تؤكد التجارب أن الجرائم التي تستهدف أماكن العبادة والتجمعات المدنية لا تقف آثارها عند حدود الخسائر البشرية والمادية، بل تترك جروحا عميقة لدى الأسر والمجتمعات، وتثير مخاوف مشروعة بشأن الأمن والاستقرار.
ولهذا، فإن التعامل مع جريمة حمود يقتضي الجمع بين المسار الأمني والقضائي والمسار المجتمعي، بما يضمن إنصاف الضحايا وذويهم، وتوفير الرعاية اللازمة للمصابين، وملاحقة المسؤولين، وتعزيز الإجراءات الوقائية.
كما تبرز الحاجة إلى مواجهة البيئة الفكرية التي يمكن أن تغذي التطرف، من خلال نشر ثقافة الاعتدال، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والدينية، ومواجهة الخطابات التحريضية التي تسعى إلى تبرير العنف باسم الدين أو العقيدة أو أي انتماء آخر.
فلا يمكن لأي اعتقاد ديني أن يكون مبررا للاعتداء على الأبرياء، كما لا يمكن أن تتحول دور العبادة إلى أهداف مشروعة للعنف أو ساحات لتصفية الحسابات.
وتتطلب هذه المواجهة خطابا واضحا وحازما يؤكد أن حماية الإنسان وكرامته واجب لا يقبل الانتقائية، وأن احترام القانون هو السبيل إلى حماية المجتمع من دوامة العنف والثأر وردود الفعل غير المحسوبة.
وفي الوقت نفسه، تبرز مسؤولية وسائل الإعلام في التعامل المهني مع الحادثة، من خلال نقل المعلومات الموثوقة، وتجنب نشر الشائعات، وعدم استباق نتائج التحقيقات أو تقديم استنتاجات غير مدعومة بالأدلة.
فالمعركة ضد التطرف لا تُخاض بالأجهزة الأمنية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى وعي مجتمعي وإعلام مسؤول وخطاب عام يضع الحقيقة والعدالة والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
وحدة وطنية راسخة ومسؤولية متجددة
إن ما جرى في كنيسة حمود يعيد التأكيد على حقيقة أساسية: أمن الأردن مسؤولية مشتركة، وحماية المواطنين واجب أصيل من واجبات الدولة، فيما يشكل احترام القانون والتضامن المجتمعي ركيزتين أساسيتين في مواجهة الجريمة والتطرف.
وقد أثبت التاريخ الأردني أن الروابط التي تجمع أبناء المملكة أعمق من أن تهزها جريمة، مهما بلغت خطورتها. فالوحدة الوطنية ليست شعارا ظرفيا، بل حصيلة تاريخ طويل من المشاركة والتضحيات والعمل المشترك، وهي رصيد يستوجب الحماية والتعزيز.
لكن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتأكيد هذه الحقيقة، بل بترجمتها إلى إجراءات عملية: تحقيق جاد وشفاف، ومحاسبة عادلة، وحماية مستمرة لأماكن العبادة والتجمعات المدنية، ومواصلة التصدي لكل فكر يحرض على العنف أو ينزع عن الإنسان حقه في الحياة والكرامة.
كما أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب عدم السماح للشائعات أو محاولات التحريض بأن تعرقل عمل المؤسسات أو تفتح المجال أمام استنتاجات متسرعة، مع ضمان حق الرأي العام في معرفة الحقائق التي تثبتها التحقيقات.
إن الأردن، بقيادة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وبقوة جيشه وأجهزته الأمنية، وبما تمتلكه مؤسساته من خبرة في التعامل مع التحديات، يواجه اختبارا جديدا يؤكد أهمية مواصلة اليقظة والعمل لحماية أمن المملكة واستقرارها.
ولا شك أن الجريمة ستترك آثارا مؤلمة في نفوس أسر الضحايا والمجتمع المحلي، لكن الرد عليها يجب أن يكون بمزيد من التمسك بالقانون، ومزيد من الحزم في مواجهة الإرهاب والتطرف، ومزيد من العمل لحماية المواطنين وصون كرامتهم.
لقد بنت أجيال من الأردنيين دولة ومجتمعا يقومان على روابط تاريخية ووطنية متينة، وأسهمت مكونات المجتمع المختلفة في ترسيخ هذه التجربة. ولن تنال جريمة من هذا النوع من جوهرها، ما دامت مؤسسات الدولة تقوم بواجبها، وما دام المجتمع متمسكا بقيمه، وما دامت العدالة هي الطريق إلى محاسبة المسؤولين.
وفي لحظة الحزن هذه، تبقى الأولوية للضحايا وذويهم، ولشفاء الجرحى، وكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء، ومواصلة حماية الأردن من كل تهديد يستهدف أمنه واستقراره.
رحم الله الضحايا، ومنح ذويهم الصبر والقوة، وشفى الجرحى، وحفظ الأردن عزيزا آمنا، بقيادته ومؤسساته وشعبه، ووفّقه لمواصلة مسيرته في مواجهة الإرهاب والتطرف، وصون سيادته واستقراره، وترسيخ دولة القانون والاعتدال.






