حامد بن إبراهيم استشاري العلاقات الدولية
تمر المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حسب ما يرشح من معلومات، بتعثر قد يصل الى حد الانسداد، والكل يربط الامر بمطلب تصفير الملف النووي أي وقف التخصيب وتسليم مخزون الأورانيوم القابل للاستعمال في صنع السلاح النووي. وليس بخاف عن المتابع للملف الإيراني بدقة أن الملف النووي – رغم ما يحيط به من تضخيم – هو أسهل الملفات قابلية للحل. فالإدارة الامريكية لديها يقين أن لإيران قوة صاروخية تغنيها عن النووي بالنسبة للأثر الميكانيكي / التفجيري، وطهران لا يمكنها المخاطرة بالأثر الاشعاعي النووي في محيطها المباشر، أي في كامل منطقة غرب آسيا. وامكانية قصف مفاعل ديمونة بالصواريخ فرط الصوتية هي ركيزة الردع النووي الإيراني الحقيقي. أما أرضيّة الاتفاق – التي قد تستند اليها الوساطات -فيمكن أن تدور حول ما انجزه أوباما؛ ويكفي الوصول الى التزام بالتخصيب أقل من 3٪ ومقايضة مخزون الأورانيوم بالوقود لمفاعل بوشهر على فترات متتالية ليُحل الملف، مع حفظ ماء الوجه للطرفين.
والسؤال الذي لا يزال مستعصيا عن الإجابة المقنعة، هو السبب الذي كان حتميا في قرار دخول ترامب في الحرب الى جانب إسرائيل. وهنا لا تكفي التفسيرات السطحية، من قبيل أنه خاضعٌ لابتزاز بسبب قضية ابستين، أو يبحث عن مجد يَقرنُ اسمه بتغيير النظام الإيراني. كما أن حسابات التضييق على الصين اقتصاديا عبر التحكم في البترول الإيراني، خاصة قبل عقد الاجتماع المرتقب مع الزعيم تشي جين بينغ، لا تكفي لرفع الغموض عن سبب الانزلاق في مغامرة غير محسوبة العواقب مع مجرم الحرب نتنياهو.
وقبل الخوض في السبب المحتمل الذي قد يكون وراء دفع ترامب لاتخاذ قراره، لا بد من عرض بعض التقاطعات التي تثبت أن منظومة الحكم وخاصة الهياكل الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة لها فهم واضح لمعنى “الفتوى” كضابط عام للعمل السياسي -بدرجات- في الأوساط المسلمة. وتدرك القيادات الامريكية خصوصية دور الفتوى ووزنها في الفضاء العقائدي الشيعي الإمامي الجعفري، سواء في العراق أو في إيران. كما لدى الأجهزة إلماما واسعا وتنبّها لدرجة نفوذ المرجعية عند الشيعة، سواء المنتظرية التي لا تمارس السياسة، مثل المرجع السيد علي السيستاني في النجف، أو المرجعية المتبنية لنظرية ولاية الفقيه، كالسيد علي خامنئي وابنه، الذي خَلَفه بعد الاغتيال.
ونكتفي هنا بذكر أسماء بعض القيادات التي اثبتت من خلال تصريحاتها الإعلامية، أو شهاداتها أمام لجان الكونغرس الأمريكي أنها تفهم جيدا منطقة غرب آسيا وتعقيدات مناخاتها العقائدية والسياسية والتاريخية. ولعل بيتر سكوت، الضابط السامي المتقاعد، من أهم من يذكر في هذا السياق. ثم تأتي تولسي غابرد مديرة المخابرات الوطنية، وهي عقيد احتياط مشهود لها بخبرتها في ملفات الإرهاب والتطرف الديني في غرب آسيا. ونضيف مدير الوكالة المركزية للاستخبارات السابق جو برنان، وجو كينت مدير المركز الوطني لمقاومة الإرهاب السابق، المستقيل مؤخرا احتجاجا على الدخول في الحرب دون وجود تهديد فعلي من إيران، وقد نفى جازما صحة ادعاء سعيها الحثيث للحصول على سلاح نووي مع عدم تشكيكه في مصداقية وجود فتوى التحريم ومستوى الالتزام بها في النظام الايراني.
وفي مقال حديثٍ استندَ إلى تقارير أُنجزت لكِتاب مرتقب سيصدر بعنوان «تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب» لجوناثان سوان وماجي هابرمان (كلاهما مراسلان للبيت الأبيض في صحيفة التايمز)، وردت رواية لمسار اتخاذ قرار الحرب انطلاقا من الاجتماع الذي قدّم خلاله نتنياهو عرضا لترامب، الى لحظة اتخاذ القرار ببداية العدوان. ويُرجّح أن يكون محتوى المقال تسريبا من البيت الأبيض لتعزيز سردية مسؤولية نتنياهو في تضليل الإدارة الامريكية، علّها تكون مدخلا للحل مع الإيرانيين. وما يهمنا من المقال هي الفقرة التي ستلي، وقد جاءت في سياق تعديد الأسباب المحتملة لاتخاذ ترامب لقرار الحرب:
“…، قد يصبح (ترامب) أول رئيس منذ أن استولت القيادة الدينية على السلطة قبل 47 عامًا ينجح في إحداث تغيير في النظام في إيران. ودافعٌ إضافي، عادةً ما لا يُذكر لكنه حاضر دائمًا في الخلفية، يتمثل في أن إيران كانت قد خططت لقتل السيد ترامب انتقامًا لاغتيال الجنرال قاسم سليماني في يناير 2020، الذي كان يُنظر إليه في الولايات المتحدة على أنه القوة الدافعة وراء حملة إيرانية من الإرهاب الدولي”
ونستحضر هنا احتراز ترامب خلال حملته الانتخابية على جوانب من سياسة نتنياهو في غزة، والاشارة في تصريح الى أن الأخير تردد في الانضمام الى عملية تصفية الجنرال قاسم سليماني، وتركَ الولايات المتحدة (ترامب) في أخر لحظة تقوم بالعملية منفردة. في الحقيقة، يُحتمل أن ترامب سقط في فخ الآلة الاستخباراتية الإسرائيلية، التي قد تكون ورطته في اغتيال سليماني، ثم ابتزته بعد ذلك بإقناعه أن المرشد قد أفتى بالقصاص منه. ولا يستغرب من مراوغ كنتنياهو أنه أقنعه بأنّ الفتوى أَبدية تشمله كأصلٍ وقد تنتقل لفروعه. ويحتمل استعمال محاولة اغتيال سلمان رشدي الأخيرة كعنصر مؤيد للسردية.
هنا نقف على السر المحتمل وراء طريقة تفكير وتصرفات الرئيس ترامب. وما قد يدعم التحليل السابق، أنّ ترامب في تصريح بعد اغتيال الامام خامنئي أظهر ارتياحه وقال “أراد أن يصل إليّ، فوصلت اليه” He wanted to get me, I got him. وسعْيُ ترامب للتدخل في اختيار المرشد لم يكن تخريفاً وثرثرةً كما علق البعض، وانما رغبة نابعة من الحرص على انهاء كوابيس فتاوى القصاص المحتملة. فالرجل أصبح الآن أمام سلسلة من الفتاوى -المفترضة- التي تلاحقه من قاسم سليماني للإمام خامنئي وعائلته، وتنضاف اليها مذبحة مدرسة البنات بميناب. فإسرائيل قد تضيفها في إحاطاتها الاستخبارية للبيت الابيض، كموضوع لفتوى محتملة، من الامام مجتبى خامنئي، بالمسؤولية الشخصية لترامب في الاعتداء. وطبعا يتم تغليف كل ما سبق بخبرة إسرائيل المزعومة في الشؤون العربية والإسلامية ودرايتها بالتشيّع؛ مع استحضار اسم خبيرها يوري لوبياني الذي توفي سنة 2018، والخبير رازي زميت.
ومن المفيد هنا الإشارة الى أن مدير “السي آي آي” في زمن أوباما طلب من اللواء اللبناني عباس إبراهيم (حسب ما افاد به لمنصة “عالعهد”) التوسط لتنظيم لقاء للرئيس مع المرشد علي خامنئي. وقد سعى اللواء بالفعل عبر السيد حسن نصر الله، وكانت النتيجة بالرفض. ترامب بعد وصوله للرئاسة أعرب علنا عن استعداده للقاء الامام خامنئي، وكان ردُّ الاخير حاسما بأن “مثلي لا يبايع مثله”، وهي قولة الامام الحسين ليزيد. ونعت السيد علي خامنئي ترامب ب :”يزيدُ الزمان”، أي رمز الباطل الذي لا صلح معه. وإذا ما تم ترجمة هذه المواقف لترامب، مع توضيح ثقلها ودرجة شحنها التاريخي بدقة، فلا بد أنها تركت اثرا في تفكيره وطريقة تعاطيه مع الوضع و”التحديات”.
وفي المحصلة، تحتوي هذه القراءة جرأة كبيرة في الطرح وتشبيك المعطيات، لغياب مؤيدات ملموسة تدعمها وارتكازها فقط على تقاطعات أفكار وتصريحات متفرقة لترامب. الا أن استبعادها كليّا يُغيِّب عنصرا قد يساعد في حل شفرة عقدة المفاوضات. ولعلّ المدخل الى الحل هو سحب ورقة التلاعب بملف الملاحقة الشخصية لترامب وعائلته من يد نتنياهو، من خلال حسم موضوع الفتاوى المحتملة وجديتها. فالرجل قد يكون فعلا تم ابتزازه، لكن ليس بملف ابستين لتعوُّده على الفضائح ومواجهة ملفات السقوط الأخلاقي، وانما بفتوى القصاص التي تلاحقه. وربما، ليس من شيء يريده ترامب الان من إيران، سوى حسم موضوع الفتاوى بنفيها أو صدور فتوى تنهي قلقه الذاتي وخوفه على ذويه.





