نساء رائدات

3 تونسيات رائدات خلّدهن تاريخ تونس المعاصر.. تعرف إليهن

يحفل تاريخ تونس المعاصر بأسماء نسائية لامعة نشطت في مجالات مختلفة مثل؛ السياسة والعلم والثقافة، أسّسن لحاضرهنّ وتميزن فيه وناضلن ليكون أرقى وأسعد وأجمل. وإن كنا نرى آثارهن منعكسة في مرايا الواقع؛ اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وفكرياً، فإنّ أسماءهنّ قد تغيب عنا أحياناً.

مية الجريبي:

هي أول امرأة تترأس حزباً :سياسياً في تونس، والثانية في المغرب العربي بعد الجزائرية لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال المعارض. عرفت مية الجريبي بشراستها في النضال السياسي منذ ثمانينيات القرن العشرين، ومثّل وجودها في الساحة السياسية التي يسيطر عليها الرجال تحدياً كبيراً نجحت في نحت موقع لقدميها؛ بل إنّها تميزت على الكثيرين باستماتتها في الدفاع عن مبادئ الديمقراطية والحداثة، وانتصرت لحقوق المرأة وحقوق الإنسان عامة.بدأت مسيرتها النضالية في صفوف الاتحاد العام لطلبة تونس في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وانضمت إلى فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في فترة دراستها بالجامعة في مدينة صفاقس (جنوب). وكانت من أبرز الناشطات في جريدة “الموقف” المعارضة، كما في جريدة “الرأي”، رغم المنع من التوزيع والحرمان من الإشهار.

مية الجريبي هي أول امرأة تترأس حزباً سياسياً في تونس

أسست مع أحمد نجيب الشابي حزب التجمع الاشتراكي التقدمي العام 1983 وهي بعدُ شابة في الثالثة والعشرين من العمر، وانخرطت من حينها في العمل الحزبي. ولمّا تغير اسم الحزب إلى “الحزب الديمقراطي التقدمي” كانت ضمن مكتبه السياسي العام 1986 في وقت يندر فيه وجود نساء في مواقع متقدمة من العمل الحزبي في تونس والعالم العربي.

وفي المؤتمر الرابع للحزب العام 2006 أصبحت مية الجريبة أمينة عامة له، وخاضت معارك مضنية ضد نظام بن علي في صفوف المعارضة حتى حظيت باحترام الساحة السياسية وتقديرها. شدد النظام قبضته الأمنية على الحزب فمنع موقعه الإلكتروني وحظر جريدته “الموقف” من التوزيع، وتم طرد الحزب من مقره العام 2007، ما دفع الجريبي وأحمد نجيب الشابي للإضراب عن الطعام أجبر النظام وقتها على التراجع عن قراره.
كانت مية الجريبي من أبرز الوجوه التي صدحت بشعار “Dégage” (ارحل) يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011، وحُملت على الأعناق رافعة شارة النصر في قلب الشارع الرئيس بالعاصمة وسط حشود تعد بعشرات الآلاف.
وفي أول انتخابات بعد الثورة صعدت مية الجريبي إلى البرلمان نائبة مؤسسة وترشحت لرئاسة المجلس، غير أنّ تحالف الترويكا حينها رجح كفة مصطفى بن جعفر، وعبرت الجريبي عن أن ترشحها إنّما كان لتكريس الانتخابات الديمقراطية والقطع مع سياسة المرشح الأوحد.
توفيت الجريبي بعد مرض قاومته أعواماً بجسدها النحيل، يوم 19 أيار (مايو) 2018 وهي لا تتجاوز الثامنة والخمسين، غير أنّ بصماتها مازالت حاضرة في الذاكرة، علامة مميزة تأبى النسيان.

توحيدة بن الشيخ

اسم رسخ في أذهان التونسيين في مجال الطب، وكان له دور بارز في القرن العشرين من تاريخ تونس. إنّها أول طبيبة عربية مسلمة بدأت تزاول مهنتها غداة حصولها على أول دكتوراه في الطب من فرنسا العام 1936، بعد أن حصلت على شهادة البكالوريا العام 1928 بامتياز من معهد “أرمان فاليار”، وعلى شهادة الابتدائية العام 1922 بمدرسة نهج الباشا بتونس العاصمة.

ولدت بن الشيخ لأب من كبار الفلاحين في مدينة بنزرت (شمال)، تنتمي لأسرة واسعة معروفة في تاريخ تونس، منها خالها الطاهر بن عمار، الذي كان ناشطاً بارزاً في الحركة الوطنية التونسية، كما أنّه شخصية رئيسة في الحوار من أجل الاستقلال، وقد أمضى قرار الاستقلال مع فرنسا في 20 آذار (مارس) 1920.

 

لم يكن الطب بالنسبة إليها مجرد مهنة، بل إنه بوابة لمساعدة الفقراء

إثر عودتها إلى تونس افتتحت بن الشيخ عيادتها في 42 شارع باب منارة بالعاصمة. ولم يكن الطب بالنسبة إليها مجرد مهنة، بل إنه بوابة لمساعدة الفقراء والمحتاجين إلى أن أطلق عليها التونسيون لقب “الطبيبة لي تداوي بلاش فلوس” (الطبيبة التي تداوي المرضى بلا نقود).

كانت توحيدة بن الشيخ ناشطة في أكثر من مجال ومنها الصحافة؛ إذ أشرفت بداية من العام 1937 على مجلة “ليلى”، أول مجلة نسائية ناطقة بالفرنسية قبل أن تتوقّف عن الصدور في 1941، كما كانت ناشطة في المجتمع المدني بكثافة؛ إذ نشطت في الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي، وأسست خلال الحرب العالمية الثانية جمعية الإسعاف الاجتماعي، كما أسّست في العام 1950 جمعية القماطة التونسية للعناية بالرضع من العائلات المعوزة.
ترأست قسم التوليد وطبّ الرضيع بمستشفى “شارل نيكول”، بين العامين 1955 و1964، وأسست فيه قسماً خاصاً بالتنظيم العائلي العام 1963، وترأست قسم التوليد وطب الرضيع بين العامين 1965 و1977 بمستشفى عزيزة عثمانة بالعاصمة. وأصبحت بداية من العام 1970 مديرة لديوان الأسرة والعمران البشري.

توفيت توحيدة بن الشيخ يوم 6 كانون الأول (ديسمبر) 2010 بعد عمر طويل ناهز المائة عام، مخلفة مسيرة حافلة بالإنجازات والمساهمات التي يعيش المجتمع التونسي فضلها اليوم في انتشار الثقافة الصحية والإنجابية لدى المرأة، وتظهر نتائجه أيضاً في تحسن مدى الحياة والحد من الإنجاب في وقت تعاني فيه شعوب أخرى من انفجارات ديمغرافية تؤثر سلباً في نسب الفقر وتدني نسب التمدرس وجودة الحياة.

بشيرة بن مراد

وُلدت العام 1913 بتربة الباي بتونس العاصمة، وتوفيت العام 1993. تعد بن مراد رائدة الحركة النسوية في تونس، ذلك أنّها أسست أول اتحاد نسائي في العام 1936 مع نساء أخريات باسم “الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي”، ظل الاتحاد ينشط دون رخصة إلى حدود العام 1951، وقد ناضل من أجل تعليم المرأة.

تعد بن مراد رائدة الحركة النسوية في تونس
تقول الموسوعة التونسية المفتوحة: “انبعث هذا الاتحاد من وسط زيتوني، على عكس ما كان يُتصوّر من أنّ هذا الوسط رجعي ومناهض لحرية المرأة. ذلك لأنّ الاتحاد النسائي الاسلامي التونسي وجد تشجيعاً من الشيخ بن مراد. فمكنهنّ من ركن مستديم في مجلته شمس الإسلام لتمكينهنّ من نشر أفكارهنّ، خاصة أنّ من أعضاء هذا الاتحاد بناته الثلاث بشيرة وحميدة ونجيبة، إضافة إلى سارة بن الخوجة، كريمة الحاج علي بن الخوجة، المدرس بالجامع الأعظم وتوحيدة بن الشيخ، أول طبيبة تونسية وبدْرة بن مصطفى القروي ونعيمة بن صالح وجليلة بن حميدة مزالي ومنجية بن عز الدين. ثمّ التحقت بهنّ فيما بعد كلّ من وسيلة بن عمّار وراضية الحدّاد وبختة الصدّام وسعاد بورقيبة”.

نظّم الاتحاد الحفلات الخيرية لمساعدة الفقراء والمحتاجين، ودعم مشاريع أخرى مثل جمعية طلبة شمال إفريقيا ومساندة القضية الفلسطينية، واهتم بالجانب الثقافي مثل الكشافة والعروض المسرحية والحفلات الموسيقية.
كما لعب الاتحاد دوراً بارزاً في الحركة الوطنية المقاومة للاستعمار، فرغم طابعه الزيتوني، فإنّ تأسيسه كان بالتنسيق مع شباب الحزب الدستوري الجديد، و”أكدت بشيرة بن مراد أنّها كانت في ذلك الوقت على اتصال دائم مع عدّة دستوريين من الحزب الدستوري الجديد منهم جلولي فارس والمنجي سليم والباهي الأدغم وأحمد بن ميلاد وصلاح الدين بوشوشة والمنجي بالي ومحمد بالحسين والصادق المقدم والشاذلي القليبي والهادي نويرة، موضّحة أنّ الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة كان دوماً يزور فرع الاتحاد بحمام الأنف” حسب الموسوعة التونسية الحرة.
غير أنّ هذا الاتحاد تم حلّه فجر الاستقلال من قبل الزعيم الحبيب بورقيبة ليتأسس “الاتحاد القومي النسائي التونسي” من قبل مجموعة من النساء من أهمهن الأختان شادلية وسعيدة بوزقرو ابنتا أخت الزعيم بورقيبة، وفتحية مزالي وراضية الحداد، وقد أسندت رئاسته الشرفية آنذاك إلى وسيلة بن عمار التي سيتزوجها بورقيبة العام 1962. وقد كانت النية واضحة للقطع مع كل التجارب النسائية السابقة والتحكم في المشهد من خلال هذه المنظمة الوليدة بإحكام قبضته عليها، وهو ما عاشته فعلاً منذ تأسيسها وحتى العام 2011.
ربما لم تنل بشيرة بن مراد حظها من التقدير الذي تستحقه في حياتها، وعاشت التهميش والتقزيم وأساء نظاما بورقيبة وبن علي تقديرها حق قدرها، ولكنّها حفرت اسمها في تاريخ تونس المعاصر بما يصعب نسيانه أو تجاهله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى