اقتصاد

تعزيز شفافية قانون المالية في تونس

 

تقرير مُنجز في إطار مشروع “سافوار إيكو” من قبل  Expertise France تم اعداده كجزء من برنامج التوجيه الذي أجرته مؤسسة الدراسات والبحوث حول التنمية الدولية (Ferdi).

 

يلعب إعداد وتنفيذ قانون المالية في تونس دورًا محوريًا في الحوكمة الاقتصادية وإدارة الموارد العامة. ومع ذلك، رغم التقدم منذ الانتقال الديمقراطي عام 2011، لا تزال الشفافية المالية ضعيفة. ففي عام 2023، احتلت تونس المرتبة 104 من أصل 125 دولة وفق مؤشر Open Budget، ما يعكس محدودية وصول الجمهور إلى المعلومات المالية وغلق عملية اتخاذ القرار. وقد أثارت هذه الوضعية مطالبة متزايدة من المواطنين والشركات والمجتمع المدني بفتح النقاش حول السياسات المالية والضريبية، لضمان رقابة ديمقراطية فعالة.

تعرف القانون العضوي للميزانية (LOB، 2019) الشفافية بأنها نشر المعلومات المتعلقة بالميزانية، وتنفيذها، والأداء. لكن هذه المقاربة تبقى إجرائية، مركزة على الاتصال التقني، ولا تضمن وصول أو فهم المعلومات من قبل الجمهور. بينما تؤكد المعايير الدولية (OCDE، البنك الدولي) على شفافية قائمة على الوضوح، والنشر في الوقت المناسب، ومحاسبة المواطنين، باعتبارها شروطًا أساسية للرقابة الديمقراطية الفعالة.

يحدد التقرير ثلاث محاور رئيسية من الاختلالات:

1-      مرحلة إعداد الميزانية:

  • مركزية كبيرة بوزارة المالية عبر اللجنة العامة لإدارة ميزانية الدولة، يبدأها رئيس الحكومة بتعميم سنوي يحدد التوجهات المالية والضريبية.
  • غياب التشاور العام أو النقاش البرلماني المسبق، مما يحد من الشفافية والمشاركة.
  • المجلس الوطني للضرائب، المفترض أن يكون مساحة للحوار، يظل هامشيًا ومهيمنًا عليه من الإدارة، مستبعدًا المجتمع المدني.

2-      المراجعة البرلمانية:

  • الرقابة محدودة بسبب المواعيد الدستورية الصارمة ولجان برلمانية غير مجهزة بشكل كافٍ.
  • نقص في البيانات المالية الدقيقة والتفصيلية، وعدم وجود تقييمات مسبقة للتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية، وقلة التحليل المستقل.
  • غالبًا ما يقتصر النقاش البرلماني على تبادلات عامة أو قطاعية، دون رؤية استراتيجية، مما يضعف شرعية الموارد المالية.

3-      التنفيذ والمتابعة:

  • استمرار غياب الشفافية، وغياب متابعة عامة موثوقة، ومنصات مفتوحة غير محدثة، ومشاركة محدودة للمجتمع المدني.
  • تفاوت بين النصوص المقررة وتطبيقها العملي، مع تطبيق جزئي أو مؤجل لبعض التدابير المالية.
  • عدم الالتزام بالمعايير الدولية (OCDE، FMI، IBP) بشأن نشر بيانات التنفيذ ومتابعة الفجوات بين التوقعات والواقع.

تداعيات هذا الوضع:

  • تكرار انخفاض التنفيذ الميزاني، والتشكيك في شرعية الضريبة، وانعدام الثقة العامة في المؤسسات، وعدم القدرة على تحويل الموارد الضريبية إلى سياسات عامة فعالة.

التوصيات الرئيسية:

  • إعادة تعريف الشفافية لتشمل المشاركة المجتمعية، وسهولة الوصول إلى المعلومات، ومحاسبة السلطات.
  • تحسين وصول المعلومات عبر تقارير مبسطة، ورسوم بيانية، وفيديوهات، ونشرها على القنوات الرسمية والمتاحة للجمهور.
  • نشر الوثائق المالية في الوقت المناسب، وإنشاء متابعة منتظمة للفجوات بين التوقعات والتنفيذ.
  • تشجيع مشاركة المواطنين من خلال استشارات عامة، وميزانيات مواطن، وتدقيقات تشاركية، ومنصات تفاعلية.
  • إشراك خبراء مستقلين وديوان المحاسبة منذ مرحلة إعداد الميزانية، وإنشاء لجنة برلمانية دائمة لمتابعة التنفيذ.
  • إجراء تقييمات مسبقة لأي إصلاح مالي أو ضريبي لضمان عدالة وفعالية السياسات، وضمان الوصول الكامل للبيانات المالية عبر بوابات آمنة.

الخاتمة:

لا يزال النظام التونسي مركزيًا، محدود الشفافية، ومشاركة المواطنين هامشية. لجعل قانون المالية أداة حقيقية للحوكمة الاقتصادية والديمقراطية، يجب:

1-      تأسيس ثقافة شفافية مالية قائمة على نشر منتظم وواضح وسهل الوصول للبيانات المالية.

2-      تعزيز مشاركة المواطنين وإدماج المجتمع المدني في النقاش المالي.

3-      إنشاء آليات تقييم مسبقة لتقدير التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لأي إجراء مالي.

4-      ضمان وصول حر، مفهوم، ومحدث للمعلومات المالية العامة، كأساس لنقاش ديمقراطي مستنير.

إعادة التفكير الجذرية في حوكمة قانون المالية في تونس لم تعد خيارًا، بل ضرورة ديمقراطية واستراتيجية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمالية الراهنة.

Lien : https://savoirseco.tn/dans-le-cadre-du-deuxieme-edition-du-programme-de-mentorat-de-la-ferdi-lassociation-atgf-a-edite-un-policy-brief

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى