
ليست الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، سوى إعادة إنتاج مأساوية لما سبقها: حرب أوروبية بامتياز، تُدار من داخل القارة وتُدفع فاتورتها من دم شعوبها. فالتاريخ، مهما حاول الأوروبيون تزويره، لا يخطئ في تكرار نفسه، ولا يكفّ عن فضح من يصرّ على تجاهل دروسه. .م يكن إيمانويل ماكرون مجرّد شاهد على ما جرى في أوكرانيا، بل كان أحد أبرز محرّكي الفتنة ومهندسي الوهم؛ إذ روّج، بتهوّر سياسي فجّ، لفكرة أنّ أوكرانيا تمتلك من الثقل العسكري والدولي والاقتصادي ما يمكّنها من تحدّي الجيش الأحمر، متستّرًا خلف سردية عبثية مفادها أنّ فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا إنقلترا، بدعمها، على فرض توازن ميداني حقيقي. وها قد كشفت الوقائع زيف هذا الادّعاء: حرب دخلت عامها الثالث، وأوكرانيا تنزف حتى الاحتضار، تتوسّل نهاية الصراع بأي ثمن، بعد أن تحوّلت من “رأس حربة” إلى ساحة استنزاف. لقد سعى ماكرون، بإصرار مرضي، إلى ارتداء عباءة “رجل الدولة”، غير متردّد في الزجّ بالشعوب إلى أتون المحرقة ليصنع لنفسه قامة تاريخية زائفة. بل تجاوز ذلك إلى تخيّل نفسه، في نوبات من الوهم السياسي، وريثًا لتشرشل. والحقيقة أنّ ماكرون لن يكون رجل دولة، لا في الجوهر ولا في الأثر؛ إذ لم يستطع الانفكاك عن أصله الوظيفي: مصرفي سابق في بنك روتشيلد، وهو تفصيل ليس بريئًا في سياق الدور المالي والسياسي الذي لعبته هذه المؤسسة — وللمفارقة الساخرة — في توجيه الثقل المالي الأوروبي، وتأجيج صراعات الهويّة، وإغراق القارة في دوّامة لا تنتهي من العقد التاريخية، والمطامع، والمصالح المتشابكة، الفردية منها والجماعية. هذا دون نسيان الدور المضغوط في دفع الصهيونية وإغراق اليهود بالأموال، بعد الحرب العالمية الثانية، للذهاب إلى الأرض الموعودة والعلاقة المقربة لهذا البنك مع أفكار تيودور هرتزل و آرتور بلفور و قصفهم بكل الوسائل الممكنة – المشروعة منها والممنوعة- لفكرة الجنس الأري نظرا لما تصوره من خطر وتهديد داهم على المشروع المستقبلي..
حروب أوروبية كبرى
إنّ ما أطلق عليه الأوروبيون اسم “الحرب العالمية الأولى” و “الحرب العالمية الثانية” لم يكن، في الواقع والحقيقة، سوى حروب أوروبية كبرى، حلقة ضمن سلسلة طويلة من الصراعات التي عرفتها القارة منذ قرون. غير أنّ أوروبا، مع صعود خطاب “العالم الحر”، نجحت في غسل ذاكرتها الجماعية، وتقديم نفسها في ثوب المعلّم الأخلاقي، متدثّرة بشعارات حقوق الإنسان والإنسانية والديمقراطية وحقوق تقرير المصير وغيرها من الكلام الفارغ – و ليست الولايات الأمريكية بعد ما فعلته مع فينيزويلا ورئيسها- من ستكذب ذلك… شعارات صيغت بعناية في مكاتب مترفة، بعيدة كلّ البعد عن الخراب وقبح وفضاعة أهوال حيف وحقارة الحروب. ولعلّ أكثر ما يفضح ضحالة الرؤية الماكرونية هو الاستخفاف الفجّ بفلاديمير بوتين. فقد تعامل معه ماكرون وحلفاؤه بوصفه زعيمًا ليّنًا، قابلًا للتطويع، فإذا بهم يصطدمون برجل أشدّ قسوة وصلابة من ستالين نفسه، مع فارق جوهري: بوتين لا يستعرض القوة، بل يمارسها بهدوء، ويدير الصراع ببرودة ، تاركًا خصومه — ماكرون وزيلينسكي ومن يدور في فلك “الخماسي المرح” — يدفعون الثمن أفدح مما توقّعوا. اليوم، وبعد أن تجاوز عدد القتلى نصف مليون إنسان، يقف ماكرون متوسّلًا، متضرّعًا لإنهاء الحرب التي ساهم في إشعالها، فيما يرفض بوتين إغلاق هذا الفصل، لا عنادًا، بل ليجعل من هذه النهاية درسًا قاسيًا، وعبرة لمن يظنّ أنّ السياسة تُدار بالأوهام، وأنّ الحروب تُخاض بالخطب لا بالقوة و هو درس لن ينساه ماكرون لعقود و لن ينساه زيلنسكي لعقود أيضا عندما يتذكر ماكرون يقول له : “انطلق بشجاعة و لا تتردد فإننا معك” لكن الثمن الإنساني كان باهضا…
الرؤساء الأمريكان والأوروبيون، غزة فينزويلا و الربيع العربي
إن كانت أوروبا شرا فالولايات المتحدة الأمريكية أيضا شر ولكن بقدر آخر وبطريقة أخرى: فأمريكا رغم كل تدخلاتها العسكرية فإنها كانت تدخلات إستراتيجية جراحية لا تتسبب أكثر من حروب إقليمية مبرمجة لها أهدافها سواء دامت في الزمن أو قصرت مع تعدد الإخفاقات: الفيتنام، العراق، أفغانستان، الربيع العربي الخ … إن مافعلته كنزوليزا رايس وهيلاري كلينتون و المستشار الخاص كارل روف من ربيع عربي مرورا بمشروع الشرق الأوسط الكبير من أقبح المشاريع الأمريكية و لكنه لم يكونوا، ليس إلا، أكثر من خلافات إقليمية وقتية وهذا لايعني أن ذلك يبرأ أمريكا من قبح أفعالها و لكن عاى الأقل لم يوصل ذلك أبدا إلى الحرب العالمية عكس تصرّفات و خطط الأوروبيين والتي تعتبر قاتلة… ولاننسى بالطبع حرب غزة والتي تكتّل فيها كل من الأوروبيين و الأمريكان على حد السواء… فهل نحن فعلا متجهون إلى حرب عالمية أخرى ؟؟ الجواب حسب رأيي هو نعم./





