لوبوان-تونس-سفيان رجب
دخول مجموعة STAHL الألمانية إلى السوق التونسية يعكس تنامي الاهتمام بالخبرات المحلية في التكنولوجيا والتحول الرقمي، ويطرح فرصاً جديدة لتطوير التعاون الصناعي والانفتاح على أسواق شمال إفريقيا.
لم تعد جاذبية تونس بالنسبة إلى المؤسسات الصناعية الأوروبية مرتبطة فقط بموقعها الجغرافي أو بتكاليف الإنتاج، بل أصبحت الكفاءات التقنية والقدرة على مواكبة التحولات الرقمية من العناصر التي تعزز موقعها في حسابات المستثمرين. وفي هذا السياق، يأتي قرار المجموعة الألمانية STAHL فتح مكتب لها في تونس، في خطوة تستهدف تطوير أعمالها محلياً واستكشاف فرص جديدة في الصناعات التي تتطلب مستويات عالية من السلامة والتحكم التقني.
وتتخصص المجموعة في تصنيع المعدات والأنظمة الموجهة إلى حماية المنشآت الصناعية من مخاطر الانفجار، وهي حلول تكتسي أهمية خاصة في البيئات التي تتعامل مع المواد القابلة للاشتعال أو العمليات الصناعية الحساسة.
غير أن توجه الشركة في تونس لا يقتصر على تسويق تجهيزاتها، إذ تتجه خطتها الأولية إلى تطوير مشاريع الرقمنة، مع التمهيد لإدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مرحلة لاحقة، بما يواكب التطور المتسارع في احتياجات المؤسسات الصناعية.
من الرقمنة إلى الذكاء الاصطناعي
تمثل الرقمنة أحد المحاور الرئيسية التي تراهن عليها المجموعة الألمانية في بداية نشاطها بالسوق التونسية. ومن المنتظر أن تشمل اهتماماتها مؤسسات تنشط في قطاعات الكيمياء والمحروقات والصحة والصناعات الدوائية، وهي مجالات تتطلب حلولاً تقنية موثوقة وقدرة عالية على مراقبة العمليات والحد من المخاطر.
ويمنح هذا التوجه فرصاً لتطوير التعاون بين الخبرة الصناعية الألمانية والكفاءات التونسية في مجالات التكنولوجيا والإعلامية والأنظمة الرقمية. كما يمكن أن يفتح المجال أمام تطبيقات أكثر تطوراً، تشمل تحسين إدارة المنشآت الصناعية وتعزيز مراقبة التجهيزات وتطوير آليات التعامل مع البيانات.
وفي تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أوضح توبياس بوب، المدير العام بالنيابة والمدير التجاري للمجموعة، أن الرقمنة ستكون نقطة الانطلاق الأساسية للمكتب الجديد، على أن يأتي الذكاء الاصطناعي في مرحلة ثانية، بالنظر إلى اتساع مجالات استخدامه وتنامي دوره في تطوير الأنشطة الاقتصادية.
وتعتزم المجموعة التركيز في البداية على السوق التونسية، مع إمكانية توسيع نطاق نشاطها نحو أسواق أخرى في شمال إفريقيا عندما تتوفر الظروف المناسبة لذلك.
الكفاءات التونسية عنصر في معادلة الاستثمار
يمثل اختيار تونس بالنسبة إلى المجموعة الألمانية مؤشراً إضافياً على أهمية الموارد البشرية المؤهلة في استقطاب الاستثمارات ذات المحتوى التكنولوجي. فالمؤسسات الدولية أصبحت مطالبة بمواكبة التحولات الصناعية، وهو ما يجعل توفر المهندسين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عاملاً مهماً في قرارات التوسع.
وفي هذا الإطار، يرى يورن بوسلمي، المدير العام للغرفة التونسية الألمانية للصناعة والتجارة، أن اهتمام الشركات الألمانية بتونس يتجه تدريجياً نحو الاستفادة من الكفاءات الوطنية والمهارات المتخصصة، ولا سيما لدى خريجي الجامعات والمعاهد العليا.
ويعكس هذا التوجه إمكانية تطوير نموذج تعاون اقتصادي لا يقوم على الكلفة وحدها، بل يستند كذلك إلى جودة الخبرات والقدرة على إنجاز المشاريع التقنية والصناعية ذات القيمة المضافة.
كما يشير بوسلمي إلى الدور المتزايد الذي تؤديه المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تحديث المؤسسات، معرباً عن أمله في أن تساهم إقامة المجموعة الألمانية في تعزيز حجم أنشطتها في تونس.
وتحضر ألمانيا بانتظام ضمن أبرز المستثمرين الأجانب في تونس، فيما يؤكد المسؤول نفسه أن عدداً متزايداً من المؤسسات الألمانية يبدي اهتماماً بالسوق التونسية. غير أن التحدي الأساسي، وفق تقديره، يتمثل في تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات فعلية ومشاريع قادرة على توفير فرص العمل وتوسيع النشاط الاقتصادي.
سبعون عاماً من العلاقات وفرص للتعاون المتجدد
تزامن افتتاح المكتب الجديد مع الاحتفال بمرور سبعين عاماً على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين تونس وألمانيا. وشهدت المناسبة أيضاً إضفاء الصبغة الرسمية على انضمام مجموعة STAHLإلى الغرفة التونسية الألمانية للصناعة والتجارة.
وتعزز هذه الخطوة حضور المجموعة في محيط اقتصادي يتيح لها التواصل مع المؤسسات التونسية والتعرف إلى احتياجاتها، فضلاً عن متابعة فرص التعاون والاستثمار.
وعلى المستوى الدولي، تشغل المجموعة نحو 1600 شخص، وتحقق رقم معاملات سنوياً يناهز 300 مليون يورو. كما تتوزع وحداتها الإنتاجية بين ألمانيا والهند والولايات المتحدة وهولندا والنرويج، بينما يستند نشاطها التجاري إلى نحو اثنتي عشرة شركة تابعة وأكثر من خمسين شريكاً للتوزيع.
الرهان على القيمة المضافة
تطرح إقامة المجموعة الألمانية في تونس سؤالاً أوسع يتعلق بقدرة الاقتصاد الوطني على استثمار التحولات التكنولوجية لتعزيز موقعه في سلاسل الإنتاج الدولية. فاستقطاب المؤسسات المتخصصة يمكن أن يتجاوز حدود الحضور التجاري إلى بناء شراكات تقوم على تطوير المهارات وتبادل الخبرات وفتح مجالات جديدة أمام الكفاءات المحلية.
وتبقى قيمة هذه الخطوة مرتبطة بما يمكن أن تفرزه من مشاريع ملموسة، سواء في الرقمنة أو في التطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن فرص توسيع النشاط نحو أسواق إقليمية.
وبالنسبة إلى تونس، فإن الرهان لا يتعلق باستقطاب الاستثمارات فحسب، بل أيضاً بتحويلها إلى فرص مستدامة للتشغيل ونقل المعرفة وتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية. أما بالنسبة إلى المؤسسات الألمانية، فإن الجمع بين الخبرة الصناعية والكفاءات التونسية قد يشكل مدخلاً لتطوير أعمالها في سوق محلية واعدة ونحو محيط.





