اقتصاد

من التجارة إلى التصنيع المشترك… لماذا تحتاج تونس وتركيا إلى شراكة جديدة؟ (1)

 

. تونس وتركيا… عندما تتحول الجغرافيا إلى فرصة اقتصادية

. من إرث التاريخ إلى رهانات الشراكة الاستراتيجية

 

الملفات الاستراتيجية-لوبوان- كتب سفيان رجب

ليست العلاقات بين تونس وتركيا وليدة الظرف السياسي الراهن، ولا هي مجرد امتداد لتقارب اقتصادي فرضته العولمة أو التحولات الجيوسياسية الأخيرة. إنها علاقة ضاربة في التاريخ، تشكلت عبر قرون من التفاعل السياسي والثقافي والاقتصادي، قبل أن تدخل، خلال العقدين الأخيرين، مرحلة جديدة عنوانها المصالح الاقتصادية والرهانات الاستراتيجية.

ففي الوقت الذي يعيد فيه العالم رسم خرائط التجارة والاستثمار وسلاسل الإنتاج، تبدو تونس وتركيا أمام فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة علاقاتهما الثنائية على أسس أكثر توازنا واستدامة. ولم يعد السؤال اليوم يتعلق فقط بحجم المبادلات التجارية أو عدد الزيارات الرسمية، بل بقدرة البلدين على بناء شراكة إنتاجية حقيقية تستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وتأتي المبادرة الأخيرة التي أطلقتها غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية في هذا السياق، باعتبارها مؤشرا على انتقال العلاقات الاقتصادية من مرحلة التشخيص إلى مرحلة البحث عن آليات عملية لتطوير الاستثمار، وتشجيع المشاريع المشتركة، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات في البلدين.

غير أن هذه المبادرة، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها بمعزل عن رؤية استراتيجية أشمل تعيد تعريف طبيعة العلاقة الاقتصادية بين تونس وتركيا، وتنتقل بها من منطق المبادلات التجارية إلى منطق الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة.

من الدولة العثمانية إلى الدولة الوطنية

يصعب فهم العلاقات التونسية التركية دون العودة إلى التاريخ. فمنذ منتصف القرن السادس عشر، أصبحت تونس جزءا من المجال السياسي العثماني، وهو ما أرسى روابط عميقة تجاوزت الإدارة والحكم لتشمل العمران، والتنظيم العسكري، والمؤسسات، وحتى الحياة الاجتماعية والثقافية.

ولا تزال معالم هذا الإرث حاضرة إلى اليوم في عدد من المدن التونسية، سواء في المساجد أو القصور أو الأحياء العتيقة، كما بقيت عائلات تونسية عديدة تحمل أصولا عثمانية اندمجت بالكامل في المجتمع التونسي، وأسهمت في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية للبلاد.

لكن مع استقلال تونس سنة 1956، اختارت الدولة الوطنية بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة بناء سياسة خارجية مستقلة، قائمة على الانفتاح والتوازن وعدم الانخراط في محاور إقليمية متصارعة. وفي المقابل، كانت تركيا تعيش بدورها تحولات داخلية كبرى في إطار الجمهورية الحديثة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.

ورغم اختلاف الخيارات السياسية في تلك المرحلة، حافظ البلدان على علاقات دبلوماسية مستقرة اتسمت بالهدوء، وإن بقيت محدودة مقارنة بعلاقات تونس مع أوروبا الغربية أو مع محيطها العربي.

العقدان الأخيران… بداية التحول

مع مطلع الألفية الثالثة، بدأت ملامح مرحلة جديدة تظهر في العلاقات الثنائية، بالتزامن مع الصعود الاقتصادي اللافت لتركيا، التي نجحت في التحول من اقتصاد يعتمد أساسا على السوق الداخلية إلى قوة صناعية وتصديرية ذات حضور متزايد في أوروبا وآسيا وإفريقيا.

هذا التحول دفع أنقرة إلى توسيع حضورها في منطقة شمال إفريقيا، ليس فقط من خلال الدبلوماسية، وإنما عبر الاستثمار، والتعاون الصناعي، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والنقل الجوي، والدبلوماسية الاقتصادية.

وفي المقابل، كانت تونس تبحث عن شركاء جدد قادرين على تنويع علاقاتها الاقتصادية خارج الإطار الأوروبي التقليدي، خاصة بعد تزايد الضغوط الاقتصادية والأزمات المالية التي عرفتها الأسواق الأوروبية، الشريك التجاري الأول لتونس.

ومن هنا، بدأ التقارب الاقتصادي بين البلدين يكتسب زخما أكبر، مدعوما بتوقيع اتفاقية التبادل الحر، وتزايد اهتمام المؤسسات التركية بالسوق التونسية، سواء باعتبارها سوقا استهلاكية، أو بوابة نحو إفريقيا، أو قاعدة إنتاج موجهة نحو أوروبا.

الاقتصاد… من التبادل التجاري إلى التكامل الصناعي

عرفت المبادلات التجارية بين تونس وتركيا تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذا التطور لم يخل من الجدل داخل الأوساط الاقتصادية التونسية.

ففي الوقت الذي يرى فيه المدافعون عن اتفاقية التبادل الحر أنها ساهمت في تنشيط المبادلات التجارية، وتوفير منتجات بأسعار تنافسية، وتشجيع المنافسة، يعتبر منتقدوها أنها عمقت العجز التجاري، وأثرت في عدد من الصناعات المحلية، خاصة في قطاعات النسيج والملابس والمنتجات الاستهلاكية.

غير أن اختزال العلاقات الاقتصادية في ميزان الواردات والصادرات فقط، قد يحجب الصورة الأشمل.

فالاقتصاد العالمي لم يعد يقوم على بيع المنتجات النهائية بقدر ما يقوم على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، حيث تتوزع مراحل التصميم والإنتاج والتجميع والخدمات اللوجستية بين عدة دول.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تستورد تونس من تركيا؟ بل أصبح: كيف يمكن للبلدين أن ينتجا معا، وأن يصدرا معا، وأن يستفيدا معا من إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية؟

وهنا تحديدا تكمن أهمية المرحلة الجديدة التي بدأت تتشكل في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وهي مرحلة قد تنقل التعاون من مجرد تبادل تجاري إلى شراكة صناعية أكثر عمقا، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإصلاحات الاقتصادية اللازمة.

لماذا تمثل تونس شريكا مهما لتركيا؟

قد تبدو السوق التونسية محدودة الحجم مقارنة بأسواق أخرى في المنطقة، لكن أهمية تونس بالنسبة لتركيا لا تقاس بعدد السكان فقط، وإنما بجملة من المزايا الاستراتيجية التي تجعلها نقطة ارتكاز مهمة في الفضاء المتوسطي والإفريقي.

فتونس ترتبط باتفاقيات تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي، كما انضمت إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتملك قاعدة صناعية متطورة نسبيا في قطاعات مكونات السيارات، والصناعات الكهربائية، والطيران، والصناعات الغذائية، إلى جانب موارد بشرية تتمتع بكفاءة تقنية وهندسية معترف بها.

وفي المقابل، تمتلك تركيا قاعدة صناعية قوية، وخبرة واسعة في تطوير المؤسسات المصدرة، وشركات قادرة على الاستثمار في الأسواق الخارجية، وهو ما يجعل من التكامل بين الاقتصادين خيارا منطقيا أكثر منه مجرد خيار سياسي.

غير أن تحويل هذا التكامل إلى واقع ملموس يظل رهينا بقدرة البلدين على تجاوز منطق العلاقات التجارية التقليدية، وبناء منظومة تعاون تقوم على الاستثمار، والابتكار، ونقل التكنولوجيا، وإحداث مشاريع صناعية مشتركة تستهدف الأسواق الأوروبية والإفريقية في آن واحد.

يتبع (الجزء القادم: اتفاقية التبادل الحر… بين الانتقادات التونسية والرهان على التكامل الصناعي)

ملفنا الأول

العلاقات التونسية – التركية

من إرث التاريخ إلى الشراكة الإنتاجية

هل تستطيع تونس وتركيا بناء نموذج جديد للتعاون الاقتصادي في ظل التحولات العالمية؟

وسنناقش هذا السؤال عبر عدة فصول.

الفصل الأول (تم النشر اعلاه)

✔ الخلفية التاريخية.
✔ تطور العلاقات.
✔ لماذا أصبحت تركيا شريكا مهما لتونس.

الفصل الثاني

اتفاقية التبادل الحر… بين الانتقادات التونسية والرهان على التكامل الصناعي

  • لماذا ارتفع العجز التجاري؟
  • هل الاتفاقية مسؤولة فعلا؟
  • ماذا فعلت مصر؟
  • ماذا فعل المغرب؟
  • ماذا استفادت تركيا؟
  • ماذا خسرت تونس؟
  • وما الذي يجب مراجعته؟

الفصل الثالث

المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية

  • لماذا أطلقت الآن؟
  • ما علاقتها بالتحولات الاقتصادية العالمية؟
  • هل يمكن أن تتحول إلى منصة للاستثمار؟
  • ما المطلوب حتى لا تبقى مجرد إطار بروتوكولي؟

الفصل الرابع

خمسة قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات

  • صناعة السيارات.
  • مكونات الطائرات.
  • الطاقات المتجددة.
  • الصناعات الغذائية.
  • الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

الفصل الخامس

تونس وتركيا وأفق بناء شراكة ثلاثية مع إفريقيا، بدلا من الاكتفاء بالتبادل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى