أثبتت المشهدية الميدانية منذ الحرب العدوانية على قطاع غزة ضعف الدبلوماسية بل و فشلها التام على مستوى رعاية المركز الإستراتيجي للصراع في المنطقة المستهدفة في ظل غياب جدية اتخاذ القرارات و التفاوض الدبلوماسي مرجعا إلزاميا لفض الصراع و حفظ استقرار المنطقة وفق تطور خطابات عدوانية من نوع مستحدث في الإستثمار الخطابي لاستهلاك حقوق الشهداء على أراضيهم كضرورة مشروعة لما تبنته مقتضيات الشرعية الدولية و هو الخطاب المسرحي لسياسة تدمير الإنسانية والتوسع في الإحتلال الوجودي لحق الشعوب في تقرير مصيرها دون سواها، إذ تحول هذا النوع من الخطاب على أساس أنه الحل الأنسب لفض النزاع وفق المستجدات الحينية إلى صراع عميق الأبعاد وخطير الآثار على المنطقة و بالذات على المدنيين و محور العلاقات الدولية بشكل عام الذي تجلى فيه مستقبل السلام على هذا النحو خطرا فادحا على الإنسانية بدل كونه سلاما لحقوق الشعوب و أمنها الداخلي منذ برزت الوصاية على قطاع غزة بعد استهلاك أرواح المدنيين بما لا يقل عن حروب يمكن أن يمتد زمانها لعشرات السنين في تغافل تام عن الأثر الأممي للقانون الدولي و مؤسساته الراعية لحفظ السلم و الأمن الدوليين والتعثر المطلق عن قيام المسؤولية الدولية الجزائية و أثرها المباشر في تحقيق جودة معايير القانون الدولي لحفظ الإنسان و مؤسسات الدولة زمن الحرب و الصراعات.
و إن عجزت المؤسسات الدولية عن التدخل الآمن لحفظ السلم ضمن منطقة الصراع، كان يمكن للتدخل الجنائي حسن الأثر على مستوى ردع جرائم الإحتلال و الوقائع ضد الإنسانية ما من شأنه حفظ السلم و الأمن الدوليين و التصدي لخطر الحرب النووية التي بدأت تأتي بمخاطرها على الأمن الأممي بل الكوني نتيجة خرق هيبة القانون الدولي و الصمت المنبوذ و المكروه عن تجاوزات المؤسسات العدوانية لمستقبل السلام الخطير في سياق انتهاك السيادات القومية، الإقتصادية وخاصة الطاقية للدول في هيمنة مطلقة على النظام الدولي و المؤسسات السلمية التي سعت الشعوب إلى الإحتماء بها لفرض الحقوق و الحريات الشعبية ضمن الحق الجوهري في تقرير المصير الذي بات محور انتهاكات القانون الدولي الإنساني بل محور انتهاك الأمم المتحدة و مبادئها، ذلك لو سعت الحكومات إلى حسن تنفيذ التدخل الجنائي في هذه المرحلة المعقدة إلا أن خلفيات التدخل الدبلوماسي وربما المفاوضات السياسية كانت أجدر بالتعبير عن مرحلة ما بعد استشهاد آلاف الضحايا باستخدام أسلحة للدمار الشامل وتدمير البنية التحتية، المؤسساتية، الحياتية في منهجية عدوانية خطيرة و خطيرة للغاية امتدت تداعياتها لخطر العدوان على المنطقة بأكملها في امتداد غير محمود لتداعيات هذه الهيمنة العدوانية على الحق الإنساني في السلم في سياق استهلاكه أداة فعالة بل وحتمية لتحقيق أهداف التدمير و الترهيب القومي.
ان حال الصراع في المنطقة لا يستدعي اجتهادات توصيفية أو تكييفية لواقعها، فالمشهدية الميدانية وحدها أصيلة الموضوع و الحقائق الإجرامية المنظمة في حق المدنيين و سيادة الدول بناءا على منهجية عدوانية متشعبة ليست بالتلقائية أو اعتباطية إنما ممنهجة لضرب السلم و الأمن الدوليين مع مراعاة مركزية القوى الإدارية السياسية للمؤسسات القانونية الدولية ضمن توظيف الدبلوماسية بديلا للقواعد الأممية الآمرة و الملزمة بحفظ السلام، كحال كواليس اتفاق مجلس السلام الذي يشكل وصاية أمريكية دولية في صيغة احتلال من نوع السلام بالقوة أو السلام المشروط رغم استمرار سياسة القصف و التدمير و العدوان و القتل و الوقائع اللإنسانية تحت منبر مجلس السلام الذي يتمحور حول وقف إطلاق النار كأخطر تفاوض دبلوماسي على حق الشعب الفلسطيني.
و لما تجلى المشهد الدبلوماسي الفاخر على أساس أن الدبلوماسية هي الحل الأنسب لفض النزاع رسمت الوقائع و المستجدات الميدانية للعالم بعدا آخر من الفراغ في مستقبل المنطقة على أساس التفاوض الدبلوماسي في سياق منهج الإحتلال و توسع دائرة التجريم الإستيطاني العدواني و امتلاك الحق الغير مشروع و اللامشروط بدعم الدبلوماسية الغير ذكية في التعامل مع الأطراف بل و إدارة هذه التغييرات المستهدفة لافتكاك الشرعية بالقوة لا بالشرعية القانونية. فبرز للعالم صراعا إسرائيليا فلسطينيا توارثته أجيال الحكومات و الشعوب و الحال أن المخطط الإستيطاني أوسع بل أعمق من ذلك بكثير تبنته الأطراف العدوانية بشكل صريح كحق مشروع يستوجب الدفاع و التوغل بناءا على أهداف لتدمير العلاقات الدولية و تفكيك وحدة مدنية الدول في بعد متجدد لتاريخ القرن الواحد و العشرين فيه عودة لانقسام الدول و التوسع الممكن لفرض وجودية يبرر استهداف الرضع فيها دفاعا عن معاداتها في سياق التعويل على الدبلوماسية الهشة و الهجينة من التنديد بالعدوان إلى التطبيع مع أطراف وأشخاص العدوان.
و الصورة على الميدان هنا أوضح بكثير للمخطط الاستعماري من استشراف منهجي واضح للأحداث بل ولسبق الإضمار في تحقيق جرائم و انتهاكات القانون الدولي الإنساني و زعزعة المنطقة في غياب قرارات إلزامية فورية لحفظ السلم و تفادي التصعيد الذي خلف توترا حادا بين العلاقات الدولية كالمشهد الإيراني الخليجي وفق خطة إستراتيجية ذكية من الإدارة العدائية، العدوانية في قناعة ربما تكون تامة لتوجيه الدفاع الإيراني نحو استهداف منطقة الخليج بحكم تمركز القواعد الأمريكية و ربما التعويل على الآثار كان غير مدروس بالنسبة للإدارة العدوانية الأخيرة و لكن التدبير الإستراتيجي لخلق نزاع في العلاقة الإيرانية الخليجية لا يمكن إلا أن يكون ممنهجا و مستهدفا للسلام في المنطقة، و كذا بالنسبة لإستراتيجية تدويل مسألة مضيق هرمز ما من شأنه تطور التوتر و امتداد النزاع في خطر فادح على الشعوب والمؤسسات وحتى البيئة و المناخ السلمي الإستراتيجي، و الحال في لبنان و ما تشهده الدولة من أزمة إنسانية معقدة بسبب العدوان الإسرائيلي رغم أن الأرض لم تتعافى من آثار الدمار والقصف و الصورة لم تتعافى من مشاهد الأشلاء و صراع الطفولة مع البقاء، ورغم أن العالم لم يتعافى من أنين الجرحى و استغاثة الأصوات بلا رجعة مع الرصاص المعدم للحياة في قطاع غزة، بدأنا نلحظ بداية نفس المشهدية الميدانية في لبنان في غياب مطلق لتحريك آليات القانون الدولي بشكل حقيقي و ضرورة استعجالية ملحة.
و لأن الدبلوماسية لا ترعى مصالح الشعوب بل تراعي مصالح القوى فالقانون لا يراعى مصالح القوى بل يرعى حقوق الشعوب وسلمهم الدائم وهو تماما الإشكال الحقيقي وأزمة هذا التاريخ من الزمن الذي تراجعت فيه الشعوب عن تحررها بل وتراجعت فيه الحكومات عن تحريرها، هذا التاريخ من الزمن الذي تبخرت فيه أجساد الضحايا بموجب أسلحة خارقة لكل معايير الردع و تجريم أسلحة الدمار في فراغ تام عن منطق القانون و اللجوء إلى القواعد القانونية الملزمة لمراعاة سلم الشعوب وأمنهم ما يجعل تعزيز الثقة بالقانون الدولي الإنساني شبه حلم و إن كان المجتمع الدولي في حاجة لهذه الثقة لنزع العدوان بقوة القانون لا بقوة السلاح و المشهدية لحالها كافية لتوصيف حال المستجدات في المنطقة و ربما في العالم كله من تطور الجريمة و استهلاك فكرة قوة القانون بل و هيبته كأزمة تعبر عن خطر حقيقي داهم يصعب معه العودة إلى السلم و الأمن و بالتالي الحاجة الملحة للعودة إلى ملاذ القانون الدولي وتفعيل المؤسسات الدولية لردع ما يمكن امتداده من خطر العدوان المسلط على الدول وشعوبها ومن ذلك زجر التدخل في شؤون الدول.
نحن هنا لا نتحدث عن المركز الاستراتيجي للصراع في المنطقة كتحديد الأهداف العسكرية و ما إلى ذلك من تكتيكات التوغل و العدوان و إنما نتحدث عن رعاية هذا المركز و بالذات نطاق محيطه الواسع كل ما وجد الفرد و المجموعة، فوفق آثار الحرب العدوانية على قطاع غزة يجدر القول أنه نسبة للخسائر البشرية أصبح الإنسان في هذا العدوان محورا بل هدفا استراتيجيا مستهدفا بديلا عن الإلتزام بقواعد التمييز و التناسب وحتى الضرورة العسكرية و بالتالي يمكن القول أن المركز الإستراتيجي للصراع بشكل عام أصبح متعدد الأبعاد ليكون الشخص المدني محور الإستهداف بامتياز و هنا تستوجب ضرورة حماية المدنيين اللجوء لقوة المؤسسات القانون الدولي ضمانا لما يمكن إنقاذه لاستمرارية على الأقل الشبه السلم و الأمن الدوليين.
و كذا التوصيف الدولي للفرد كمكسبا هاما لتطوير أشخاص القانون الدولي الذي ألحقته ذات المشهدية الميدانية و المستجدات الدولية بفراغ جودة النفوذ المؤسساتي الدولي ما يستوجب ثورة حقيقة على هذا التوصيف ليكون لرعاية هذا المركز بعدا إنسانيا مستحدثا من مستجدات العدوان على الإنسانية يتمثل في دور الشعوب في تفعيل السلام، و إن كان الفرد شخصا من أشخاص القانون الدولي فالمجموعة اليوم أصبحت أكثر مطلبا و ضرورة لإنقاذ المنظومة الكونية من خطر امتداد الهيمنة الاقتصادية، السياسية العالمية و عودة النظام الدولي للطرف الواحد و هنا يكمن عيب القطبية، فماذا لو أصبح للشعوب بعدا متجددا ضمن مؤسسات القانون الدولي و مركزا في دعم السلام و صاحبة القوى السياسية بديلا عن الدبلوماسية الهشة و لأن الشعوب هي أصحاب السلام و المحبة للسلم فهذا التاريخ من الزمن في حاجة لتدخلها وفق معايير قانونية مدنية مؤسساتية تفرض تغيير نمط هذه الهيمنة القطبية و الصراع الإستعماري.
تشهد المرحلة التاريخية الحالية من سياسة الترهيب و العنف الدولي و أهداف إستراتيجية إدارة احتلال الأراضي و الدول لتحقيق فكرة الوجودية الإستعمارية من فلسطين إلى منطقة الشرق الأوسط على أهمية هذا الموقع إلى كل أجزاء العالم من العلاقات الدولية بناءا على التراجع الخطير للنظام الدولي، أزمة نظام حقيقية و معقدة لا تتعلق بالمنطق السياسي و إنما في علاقة مباشرة بأزمة القضاء الدولي في حفظ حقوق الشهداء و تفعيل الجزاء المطلوب و المرغوب للتصدي للعدوان و الحرب على سيادة الدول و من جهة أخرى تفعيل المؤسسات الدولية لفض الصراع و خفض ما يمكن من الخطر الداهم ليس على المنطقة الحالية و إنما على المنظومة الكونية بأكملها.
يبدو أن رعاية المركز الإستراتيجي للصراع لا تحتاج لمثل قرار مجلس الأمن الدولي 2803 و إنما إلى قراره التاريخي رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967 لإقرار مبادئ سلام عادل و دائم في الشرق الأوسط وإن كانت ظروف المستجدات ليست على حالها إلا أن المنظومة الإنسانية اليوم في حاجة لمثل هذا القرار لعودة بعض من السلم و الأمن في رعاية المركز الاستراتيجي للصراع في المنطقة المستهدفة.






