لوبوان تي ان:
في قراءة علمية دقيقة تتسم بالموضوعية، وضع الخبير في نمذجة مخاطر التغيرات البيئية والمناخية، الدكتور حازم كريشان، النقاط على الحروف فيما يتعلق بمستقبل التوازنات الكبرى في تونس. ففي تصريح أدلى به اليوم الجمعة 13 مارس 2026، حذر من أن البلاد باتت تواجه “خماسية تهديد” وجودية، تتمثل في موجات الحرارة المفرطة، والجفاف الحاد وما يتبعه من ندرة مائية، وصولاً إلى الفيضانات الفجئية وتآكل الشريط الساحلي الذي سجل معدلات مقلقة تناهز 70 سنتيمتراً سنوياً، وهو ما يتجاوز بكثير المعدلات الإقليمية المسجلة.
هذه التحولات البيئية لم تعد مجرد ظواهر طبيعية معزولة، بل تحولت إلى استنزاف صامت للمقدرات الاقتصادية؛ حيث تشير التقديرات إلى أن استمرار النسق المناخي الحالي قد يقتطع نحو 5.9% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.
هذا التراجع لا يفسره المناخ وحده، بل يغذيه الضغط الهائل على قطاع الطاقة، حيث تتسبب موجات الحر في قفزة استهلاكية تصل إلى 50%، مما يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع عجز طاقي ناهز 53%.
وتزداد هذه الوضعية تعقيداً مع الارتباط الوثيق بالتقلبات الجيوسياسية الدولية، لا سيما تداعيات الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على أسعار النفط، مما يعمق جراح الميزان التجاري التونسي المنهك أصلاً بتبعية طاقية مرتفعة.
وأمام هذا المشهد المعقد، يرى الدكتور كريشان أن الحل لا يكمن في المسكنات المؤقتة، بل في ثورة حقيقية تطال السياسات العمرانية والطاقية. فالتكيف مع “الإجهاد الحراري” يتطلب إعادة هندسة الفضاءات العامة لتوفير ممرات هوائية ومساحات مظللة، وتطوير أسطول نقل عمومي مكيّف يحمي إنتاجية العامل التونسي قبل وصوله إلى مقر عمله. كما شدد على ضرورة الانتقال إلى “التبريد الذكي” والمباني الموفرة للطاقة كخيار سيادي لا محيد عنه لتقليص فاتورة الاستيراد.
وفي ختام رؤيته، يفتح كريشان نافذة للأمل، معتبراً أن هذه الأزمة المناخية، رغم قسوتها، تمثل فرصة استثمارية وتكنولوجية فريدة؛ فمن خلال المراهنة على البحث والتطوير في مجالات الزراعة المقاومة للحرارة وتقنيات التبريد المستدام، يمكن لتونس أن تحول هذه التحديات إلى خبرات وطنية ذات قيمة مضافة عالية، قابلة للتصدير نحو الأسواق الدولية التي تواجه مصيراً مناخياً مشابهاً، لتتحول تونس بذلك من بلد يكافح التغيرات إلى رائد في صناعة الحلول المناخية.





