جهات

قصة نجاح وتحديات “المنطقة السقوية بالوردانين”: نموذج بيئي رائد في استخدام المياه المعالجة

لوبوان تي ان:

في قلب الساحل التونسي، وتحديداً في معتمدية الوردانين، تُنسج قصة نجاح فريدة من نوعها، حوّلت التحديات البيئية الجسيمة إلى نموذج تنموي يُحتذى به على مستوى شمال أفريقيا والشرق الأوسط. إنها حكاية “المنطقة السقوية بالوردانين”، المشروع الذي لم يكتفِ بإنقاذ التربة من الموت، بل جعلها اليوم تنافس في معدلات إنتاجية فاقت التوقعات الوطنية بمراحل.

​تبدأ الحكاية من ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت المياه المعالجة الخارجة من محطات التطهير تشكل عبئاً بيئياً ثقيلاً. يروي المهندس والفلاح محمد مكادة، أحد الفاعلين الأساسيين في هذا المشروع، كيف كانت هذه المياه تُسكب في مجرى “وادي القلتة”، مما أدى إلى تلوث المائدة المائية وارتفاع ملوحتها إلى مستويات قياسية بلغت 9 غرامات في اللتر الواحد. هذا الوضع الكارثي تسبب آنذاك في “إبادة” جماعية للأشجار والمزروعات في أراضٍ كانت تُعرف بخصوبتها العالية، مما جعل المنطقة تواجه مستقبلاً مظلماً.

​ومع حلول عام 1996، وبفضل رؤية استباقية وتدخلات تقنية اعتمدت المعالجة الثنائية والثلاثية للمياه وفقاً لمعايير منظمة الصحة العالمية والمواصفات التونسية، انطلقت التجربة بـ 50 هكتاراً. لم يمضِ وقت طويل حتى أثبتت الأرض جدارتها، حيث توسعت المساحة لتصل اليوم إلى 75 هكتاراً من الأشجار المثمرة والمساحات الخضراء، بفضل استثمارات الفلاحين التي فاقت في حجمها استثمارات الدولة، مما يعكس إيمان الإنسان التونسي بقدرته على تطويع الطبيعة.

​الأرقام تتحدث عن نفسها في الوردانين؛ فبينما يبلغ المعدل الوطني لإنتاج الخوخ في تونس ما بين 9 إلى 10 أطنان للهكتار، استطاعت المنطقة السقوية تحقيق قفزة نوعية لتصل إلى 40 طناً للهكتار الواحد. لا تقتصر الميزة هنا على الكمية فحسب، بل تمتد إلى الجودة؛ فالمياه المعالجة الغنية بالأسمدة الطبيعية والعناصر النادرة تمنح الثمار لوناً وحجماً متميزين، يصفهما مكادة بـ “الخَد الأحمر الجذاب”، مما رفع من القيمة العقارية للأراضي بشكل جنوني، حيث قفز سعر الهكتار من 50 ديناراً قبل المشروع إلى نحو 200 مليون اليوم.

​لكن هذا النجاح الباهر لا يخلو من منغصات تهدد استدامته. الفلاحون في المنطقة يرفعون أصواتهم للمطالبة بضمان انتظام التزود بالمياه، حيث يواجهون أحياناً انقطاعات قاسية قد تمتد لأكثر من 50 يوماً، وهو ما يهدد المشاتل والمزروعات الحساسة. كما يشكون من “العقاب الجماعي” الذي يطالهم نتيجة تلوث ناتج عن أنشطة غير قانونية خارج المنطقة المنظمة، مما يضعهم في مواجهة مباشرة مع تعقيدات إدارية تعرقل طموحاتهم.

​إن تجربة الوردانين ليست مجرد مشروع ري، بل هي صرخة وعي بضرورة تثمين الموارد المائية غير التقليدية في ظل الجفاف. هي رسالة مفادها أن التعاون بين وزارات الفلاح والصحة وديوان التطهير، وتوفير الدعم الحقيقي للفلاح، هو السبيل الوحيد لتحويل تونس إلى واحة خضراء مستدامة، وحماية المستهلك التونسي بمنتجات ذات جودة عالية ومراقبة صحياً بدقة.

ريبورتاج امينة حدوش

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى