باريس أعلن المعهد الوطني للإحصاء اليوم الأحد أنّ الاقتصاد التونسي حقّق نموّا بنسبة 2,5 بالمائة خلال سنة 2025، مع تسجيل ارتفاع بـ2,7 بالمائة في الثلاثي الرابع مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، و1 بالمائة مقارنة بالثلاثي الثالث من السنة ذاتها. أرقام تبدو، في ظاهرها، إيجابية، لكنها تحتاج إلى قراءة أعمق لفهم دلالاتها الحقيقية. ماذا يعني ذلك ؟وماهي تأثيراته المباشرة على المواطن العادي؟وكيف نطوّر هذه النسبة؟
نسبة 2,5% تعني أن الاقتصاد يتحرّك، وأن دورة الإنتاج لم تتوقف. لكنها في المقابل تبقى دون المستوى الذي يسمح بإحداث نقلة نوعية في سوق الشغل أو في تحسين القدرة الشرائية بشكل ملموس. فالاقتصادات التي تسعى إلى امتصاص بطالة مرتفعة أو معالجة اختلالات هيكلية تحتاج عادة إلى نسب نمو أعلى وأكثر استدامة. التحسّن المسجّل في الثلاثي الرابع (2,7%) قد يعكس ديناميكية ظرفية، مرتبطة بقطاعات معيّنة أو بتحسّن نسبي في الطلب، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن منعطف اقتصادي حاسم.
ماذا تعني هذه الأرقام فعليًا؟
أولاً، تعني أنّ الاقتصاد تجنّب الانكماش، وهو أمر مهم في سياق دولي يتسم بالتقلّبات.
ثانيًا، تشير إلى نوع من الاستقرار النسبي في نسق الإنتاج، ما يعزز صورة البلاد لدى الشركاء الاقتصاديين.
ثالثًا، تكشف في الوقت ذاته عن محدودية القدرة على تحقيق قفزة تنموية، خاصة إذا ما قورنت بحاجيات البلاد الاجتماعية والمالية. النمو المسجّل يظلّ رقما كليًا (ماكرو-اقتصاديًا)، ولا يعكس بالضرورة توزيع الثروة أو تحسّن الدخل الفردي. فقد ينمو الناتج المحلي دون أن يشعر المواطن العادي بتغيّر ملموس في حياته اليومية.
كيف ينعكس ذلك على المواطن؟
المواطن ينتظر أثرًا مباشرًا: تحسنًا في الدخل، تراجعًا في البطالة، استقرارًا في الأسعار، وتحسّنًا في الخدمات. غير أنّ نموّا بـ2,5% قد يظلّ أثره محدودًا إذا لم يُترجم إلى استثمارات منتجة وخلق فعلي لمواطن الشغل. كما أن استمرار الضغوط التضخمية يمكن أن يلتهم جزءًا مهمًا من ثمار النمو، فيتحوّل الرقم الإيجابي إلى مكسب نظري أكثر منه واقعي. أما على مستوى المالية العمومية، فقد يمنح هذا النسق من النمو متنفسًا محدودًا للدولة في إدارة التزاماتها، لكنه لا يشكّل حلًا جذريًا لمعضلات العجز أو المديونية. بين الأرقام والواقع الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق نسبة نمو، بل في نوعية هذا النمو: هل هو قائم على الاستثمار والإنتاج والتصدير؟أم هو مرتبط بعوامل ظرفية واستهلاكية قد لا تدوم؟
إذا لم يتحوّل النمو إلى دورة اقتصادية مستدامة تُحفّز القطاع الخاص وتخلق فرص عمل قارة، فسيبقى في حدود “التحسّن التقني” لا “التحوّل التنموي”. خلاصة نمو الاقتصاد بأي نسبة يحمل رسالة طمأنة أكثر مما يحمل وعدًا بازدهار. وهو مؤشر على قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود، لكنه لا يعدّ دليلاً على انطلاق مسار تنموي متكامل. التحدّي الآن لا يتمثل في الحفاظ على هذا الرقم فحسب، بل في مضاعفته وتحويله إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في راتبه، وفي سوق العمل، وفي مستوى معيشته اليومي






