أراء

دول مجلس التعاون الخليجي في قلب الازمات الدولية: من ادارة التوازنات الى صناعة الحلول

كتلة الخليج لا تسعى الى فرض النفوذ بالقوة، بل الى ادارة الازمات ضمن اطار قانوني وانساني

الخليج اليوم، واحدا من الفضاءات القليلة القادرة على الجمع بين القوة الاقتصادية، والمرونة الدبلوماسية، والقدرة على مخاطبة اطراف متناقضة وهي معادلة نادرة

لوبوان-كتب سفيان رجب

تأتي اهمية دول مجلس التعاون الخليجي اليوم من كونها تقع في صلب التفاعلات الدولية الاكثر حساسية، في لحظة يشهد فيها النظام العالمي تراجعا واضحا في قدرته على احتواء النزاعات وادارتها. فالحرب في اوكرانيا، والتصعيد المستمر في غزة، والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، والتصعيد في ايران واعادة رسم خرائط امن الطاقة، كلها ملفات تضع الخليج في موقع لا يسمح له بالحياد السلبي، بل يفرض عليه لعب دور الفاعل والموازن في آن واحد.

في ملف الحرب الروسية الاوكرانية، برزت دول الخليج، وعلى راسها المملكة العربية السعودية، كأحد الاطراف القليلة القادرة على التواصل مع موسكو وكييف في الوقت نفسه، دون الوقوع في منطق الاستقطاب الحاد. فقد استثمرت الرياض موقعها داخل تحالف اوبك+ للحفاظ على استقرار اسواق الطاقة العالمية، في وقت كانت فيه الحرب تهدد باضطرابات حادة في الامدادات. كما شكلت الوساطات السعودية في تبادل الاسرى بين روسيا واوكرانيا مؤشرا على انتقال الخليج من دور اقتصادي تقليدي الى دور سياسي مباشر في نزاع دولي عالي الكلفة. هذا الدور يعكس تحولا استراتيجيا في فهم السعودية لنفوذها، باعتباره اداة استقرار دولي لا مجرد ورقة ضغط.

يتقاطع ذلك مع ملف امن الطاقة، الذي بات احد اهم عناصر الصراع الجيوسياسي العالمي. فدول مجلس التعاون، التي تسيطر على نحو ثلث احتياطي النفط العالمي ونسب مؤثرة من احتياطي الغاز، تحولت الى صمام امان للاقتصاد الدولي، خصوصا بعد تراجع الامدادات الروسية نحو اوروبا. في هذا السياق، لعبت قطر دورا محوريا في اعادة تشكيل خريطة الغاز العالمية، عبر تعزيز صادراتها من الغاز الطبيعي المسال نحو الاسواق الاوروبية، ما منحها ثقلا استراتيجيا يتجاوز بعدها الاقليمي. وقد سمح هذا الدور للدوحة بترسيخ مكانتها كشريك لا غنى عنه في معادلات الطاقة، وهو ما انعكس مباشرة على قدرتها على لعب ادوار سياسية ووساطية في ملفات اخرى.

اما في ملف غزة، فقد تجلت اهمية الدور الخليجي، لا سيما القطري والسعودي، في ظل عجز واضح للمجتمع الدولي عن فرض مسار سياسي فاعل. حيث اضطلعت قطر بدور الوسيط الرئيسي في جهود التهدئة وتبادل الاسرى، مستفيدة من قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الاطراف، في حين مارست السعودية ثقلا سياسيا ودبلوماسيا على المستوى العربي والاسلامي والدولي، عبر حشد مواقف داعمة لوقف التصعيد، وربط اي مسار تطبيعي مستقبلي بافق سياسي واضح للقضية الفلسطينية. هذا التداخل بين الوساطة الانسانية والضغط السياسي يعكس تحولا في الدور الخليجي من موقع رد الفعل الى موقع المبادرة السياسية.

في موازاة ذلك، يكتسب الدور العماني اهمية خاصة في ظل التصعيد المتكرر بين ايران والولايات المتحدة، سواء على خلفية الملف النووي او التوترات الامنية في الخليج والبحر الاحمر. فقد واصلت مسقط لعب دور قناة الاتصال بين الطرفين عبر احتضانها للوفود المتفاوضة وتراسها لجلسات الحوار والتفاوض، وساهمت في نقل الرسائل واحتواء لحظات التصعيد، بما حال دون انزلاق المنطقة الى مواجهة مفتوحة. هذا الدور يصبح اكثر حساسية في ظل الحرب في غزة، التي رفعت منسوب التوتر الاقليمي، وجعلت من الوساطة العمانية احد ركائز الاستقرار الهش في المنطقة.

في المقابل، تبرز دولة الكويت كفاعل دبلوماسي يعمل على ربط هذه الملفات بالشرعية الدولية والعمل متعدد الاطراف، حيث حافظت على خطاب متوازن داخل الامم المتحدة، داعم للقضية الفلسطينية، ومؤيد للحلول السلمية في اوكرانيا، ومشدد على احترام القانون الدولي. هذا الموقف يعزز صورة الخليج ككتلة لا تسعى الى فرض النفوذ بالقوة، بل الى ادارة الازمات ضمن اطار قانوني وانساني.

ولا يمكن فصل هذه الادوار عن التحول الاوسع في النظام الدولي، والمتمثل في صعود الصين كمنافس استراتيجي للولايات المتحدة. فقد استفادت دول الخليج من هذا التحول لاعادة صياغة علاقاتها الدولية، دون القطيعة مع الغرب. فالاتفاق السعودي الايراني برعاية صينية لم يكن مجرد اختراق دبلوماسي اقليمي، بل رسالة واضحة عن استعداد الخليج للانخراط في ترتيبات دولية متعددة الاطراف، تعكس واقعا عالميا لم يعد احادي القطب. وفي هذا السياق، تتحول دول مجلس التعاون الى مساحة تلاق بين القوى الكبرى، لا ساحة صراع بينها.

تكشف هذه المعطيات مجتمعة ان دول مجلس التعاون الخليجي لم تعد فاعلا هامشيا في الملفات الدولية الساخنة، بل اصبحت جزءا من معادلة ادارتها، سواء عبر الوساطة، او عبر ضمان استقرار الطاقة، او من خلال الدبلوماسية متعددة المسارات. غير ان تحويل هذا الدور الظرفي الى نفوذ مستدام يظل رهينا بقدرة دول المجلس على تطوير تنسيق سياسي اكثر تماسكا، وربط الادوار الوطنية برؤية استراتيجية جماعية.

في عالم يتجه نحو مزيد من التوتر والتشظي، يبدو الخليج اليوم واحدا من الفضاءات القليلة القادرة على الجمع بين القوة الاقتصادية، والمرونة الدبلوماسية، والقدرة على مخاطبة اطراف متناقضة. وهي معادلة نادرة، اذا ما احسن استثمارها، يمكن ان تجعل من مجلس التعاون الخليجي فاعلا مركزيا في ادارة ازمات النظام الدولي خلال السنوات القادمة، لا مجرد متلق لارتداداتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى