حامد بن إبراهيم (باحث في العلاقات الدولية) 
***
زيارة سيغولين رويال إلى الجزائر اعتبرها البعض دبلوماسية خارج القنوات الجامدة، ورأى آخرون أنها انزلاقًا دبلوماسيًا يحرج الجهاز الرسمي. والأكيد أنها تأتي كمرآة لا تُجامل، رُفعت في وجه فرنسا، وكشفت بلدًا مترددًا، متشنجًا، ومحيِّرًا لأنه يحرم نفسه من عناصر قوته خوفًا من الجدل. وسواء اتُّفِق أو اختُلِف مع مسارها، تبقى سيغولين رويال سليلة اليسار والتقليد الجمهوري الذي ينظر إلى الدولة بمنطق الاستمرارية. فهي تنتمي إلى فئة من المسؤولين القادرين على التحاور مع قادة أجانب دون تمترس أيديولوجي متصلب، ولا حسابات قصيرة المدى وبعيدًا عن الضجيج الإعلامي. الزيارة لم تكن سرّية، والأقرب للظن لم تكن بتكليف رسمي، بل كانت فعلًا سياسيًا مُعلنًا وبدعم مجتمعي، يقوم على مبدأ وجوبية الحوار المسؤول عندما تصل العلاقات الرسمية إلى طريق مسدود. أما ردّ الفعل الفرنسي، من تشكيك في الجدوى والشرعية والاستنكار فليس مستغرباً؛ ومتى سلمت مبادرة خارجة عن القنوات الرسمية من الريبة.
ومن يلومون رويال على مبادرتها، كأنّما يقولون إن الخبرة في فرنسا تحوّلت إلى خطيئة، بدل أن تكون رصيدًا يوظف لصالح الدولة والمجموعة الوطنية. وتهميش الكفاءات وتقزيم دورها في الشأن العام في فرنسا، وفي أوروبا عموما، يطال شخصيات كثيرة تختلف في القناعات والحساسيات وتتقاسم المصير نفسه. فرموز كثيرة كان مصيرها الإبعاد، كدومينيك دو فيلبان والجنرال بيار دو فيلييه، لا بسبب عدم الكفاءة، بل لأنهم يجسّدون رؤية استراتيجية لا تنسجم مع التوجهات السياسوية السائدة حاليًا في الغرب. وتتقاطع قراءات عديد المحللين في اعتبار أن الأمر ليس مجرد إقصاء عرضي سببه تداول على المسؤوليات في سياق ديمقراطي، بل هدر منظَّم لمقدرات سيادية، لفائدة الاوليغارشية المالية المعولمة. والعلاقة الفرنسية-الجزائرية تُجسّد هذه الانحرافات بوضوح، والتساؤل مشروع عن أفق تخلص فرنسا من أسر ماضٍ ثقيل تستغله أطراف ترفض تجاوزه وتُواصل الخلط بين التعامل التاريخي الموضوعي المجرد من الضغائن، وبين المواجهة الذاكراتية الدائمة.
والجمهورية الخامسة على هناتها وحاجتها للإصلاح، لها نماذج نجاح يفترض أن تساعد على ترسيخ سردية وطنية جامعة. زين الدين زيدان وجمال دبوز، وغيرهما كثيرون من أبناء الهجرة في قطاع الإعلام والرياضة والأكاديميا، أظهروا إمكانيّة الجمع بين تعدد الإرث الثقافي والديني والانتماء الكامل إلى الجماعة الوطنية. ومع ذلك، تبدو الجمهورية اليوم وكأنها تقبل بأن تُسحب إلى الأسفل. فهي تُكبَّل بِفعلِ جيوبٍ من كراهية الأجانب، وعداءٍ خاص للجزائريين، وإسلاموفوبيا مبثوثة في الإعلام والإدارة. والسبب حنينٌ استعماري أُعيد تدويره في قالب حججٍ انتخابية، وكأنّ الخوف يمكن أن يكون مشروعًا سياسيًا.
وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح مع اقتراب انتخابات رئاسية حاسمة سنة 2027. فقد يشهد الدور الثاني مواجهة بين جوردان بارديلا الفرنسي ذو الأصول الجزائرية من جهة الأم، متزعم اليمين المعادي للأجانب، وجان-لوك ميلانشون المولود في طنجة، زعيم حركة «فرنسا المنتفضة» اليسارية الراديكالية المدافعة عن الأجانب وعن تحمل المسؤولية التاريخية تجاه المستعمرات. وفي هذا المشهد، توجّهت سيغولين رويال المولودة في السنغال، إلى الجزائر لإعادة فتح قناة للحوار نيابة عن جهاز رسمي عاجز عن إدراك حساسية اللحظة التاريخية. نحن أمام ثلاث شخصيات من تيارات أيديولوجية مختلفة، يلتقون في نقطة مشتركة غير مضاءة في الإعلام؛ لكن التاريخ نفسه يتكفل أحيانًا، بتسليط الضوء على التناقضات، وينتج مشاهد سريالية في مسرح السياسة الداخلية والدولية. فكل فردٍ ضمن هذا الثالوث يحمل في مساره الشخصي، جزءًا من التاريخ الاستعماري الفرنسي الذي لا يزال النقاش العام يرفض مواجهته بنزاهة، انصافًا للضحايا وحفظًا للذاكرة من التشويه والتلاعب والتسييس.
في خضم هذه التجاذبات المثقلة بالماضوية، يعاد تشكيل النظام العالمي، والترامبية تفرض نسقها وتترسخ آثارها على المدى الطويل. فالروابط عبر الأطلسي تضعف وأوروبا تبحث عن بوصلة استراتيجية وتستنجد بميركوسور والهند، لتخفف خوفها من روسيا التي استرجعت وزنها القطبي. وفي هذا السياق، من الطبيعي التساؤل إن كان لفرنسا ترفُ المواجهة الدائمة مع جنوب المتوسط عوض الشراكة والتعاون البناء. وهل يمكنها أن تبتعد بشكل دائم عن الجزائر، الفاعل الإقليمي المحوري والشريك الطاقوي والدبلوماسي لعديد العواصم الأوروبية، إرضاءً لمصالح انتخابية ضيقة يغذّيها الخوف والضغينة؟
بذهابها إلى الجزائر، لم تُضعف سيغولين رويال الموقف الفرنسي؛ بل على العكس، ذكّرت بما يمكن أن تعود إليه فرنسا: قوة حوار، وفية لإرثها الجمهوري، قادرة على تحمّل تاريخها دون أن تُحبَس فيه. وفرنسا بإمكانها الاستفادة من روابط خفّ نبضها لكنها قائمة، بشرط تجاوز تشنجاتها الهوياتية والكف عن تهميش كفاءاتها القادرة على الفعل، في عالم يفتقد يومًا بعد يوم للثوابت ودعائم الاستقرار. المطلوب من فرنسا دبلوماسية تليق بإرثها الفكري، متحرّرة من مخاوفها ومن شبح الفعل الاستعماري الذي يلاحقها، والذي لا تنفع المكابرة والتجاهل لطرده. اعتذار ألمانيا وتعويضها لناميبيا، واعتذار بلجيكا للكونغو وبريطانيا لمستعمراتهما، واعتذار أستراليا وكندا للسكان الأصليين، كلها خطوات لن تعوض الضحايا عن معاناتهم، لكنها قد تفتح أبواب العيش بطمأنينة للأجيال القادمة.
وختاما، الدبلوماسية ليست تمرينًا أخلاقيًا، ولا ساحة معركة ذاكراتية؛ إنها مجال الواقع والشجاعة السياسية والاستمرارية. المرحلة تقتضي شجاعة الكلام حين يكون الصمت مريحًا، وشجاعة البناء حين تُغري القطيعة. والجزائر، التي لم تتردد يوما في إظهار الصلابة والعناد في المواقف عندما اقتضت ضرورات السيادة والكرامة الوطنية ذلك، أظهرت دائما وفاءها لنهجها الثابت في التفاعل مع المبادرات الجادة، وقبول الحوار مع الشخصيات الصادقة. في سياق هذه المعادلة استُقبلت سيغولان رويال ضيفةً معززةً، واستُجيب لطلبها الإنساني بالإفراج عن الصحفي الفرنسي الملاحق قضائيا بالجزائر. والأيام ستظهر إن كان الإليزيه قد تلقّف الرسالة، أم ستبقى العلاقات مع الجزائر شأنًا متاحًا للاستثمار في دوائر الانفصاليين وأشباه المثقفين، المجندين من قبل دوائر لا تريد الخير لا لفرنسا ولا لجنوب المتوسط عموما.





