
اثارت استقالة نورالدين الطبوبي، امين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، منذ أيام ثم تراجعه عنها اليوم في ظرف زمني قصير، موجة من الجدل داخل الاوساط النقابية والسياسية، وفتحت باب التساؤلات حول عمق الازمة التي يعيشها المشهد النقابي، وحدود استقلالية القرار داخل الهياكل، فضلا عن تداخل العوامل السياسية في خيارات يفترض انها مهنية ونقابية بحتة.
استقالة احتجاج ام رسالة ضغط
فقد اعلن نورالدين الطبوبي استقالته في سياق متوتر، يتسم بتصاعد الخلافات داخل الهياكل النقابية، خاصة حول اسلوب ادارة المرحلة، وتباين المواقف من السلطة التنفيذية، اضافة الى اختلاف التقديرات بخصوص جدوى التصعيد الاجتماعي من عدمه بإعلان الاضراب العام الذي كان مفترضا ان يكون هذا الأسبوع دون ان ننسى السبب الأبرز وهو الخلاف حول موعد المؤتمر مارس 2026 ام 2027. وقد بدت الاستقالة، في ظاهرها، موقفا احتجاجيا على ما اعتبره صاحبه تهميشا لدور بعض القيادات، وانحرافا عن تقاليد العمل الجماعي داخل المنظمة.
غير ان قراءة اعمق للسياق تكشف ان الاستقالة لم تكن مجرد رد فعل شخصي، بل جاءت كرسالة سياسية ونقابية مزدوجة: رسالة الى القيادة مفادها ان الاحتقان بلغ مستويات غير مسبوقة، ورسالة الى القواعد النقابية بان الخلافات لم تعد مجرد تباينات تقنية، بل صراعا حول هوية المنظمة ودورها في مرحلة سياسية دقيقة.
التراجع: قرار فردي ام نتيجة ضغوط؟
التراجع السريع عن الاستقالة المعلن عنه اليوم، طرح بدوره اسئلة اكثر تعقيدا. فهل اعاد الطبوبي تقييم موقفه واقتنع بضرورة البقاء داخل المنظمة للدفاع عن خياراته من الداخل؟ ام ان التراجع كان نتيجة ضغوط نقابية وسياسية، خشية ان يؤدي خروجه الى تعميق الانقسام الداخلي، او ان تستثمر السلطة ذلك كدليل على تفكك المنظمة؟
تشير معطيات عدة الى ان التراجع لم يكن قرارا معزولا، بل جاء بعد تدخلات من قيادات نقابية اعتبرت ان الاستقالة، في هذا التوقيت بالذات، تمثل خطرا على تماسك المنظمة، خاصة في ظل معارك اجتماعية مفتوحة وملفات تفاوضية حساسة وكذلك في ظل غياب البديل الذي يحظى بالاجماع . كما لا يمكن استبعاد البعد السياسي، حيث تخشى اطراف عدة من ان يتحول اي شرخ داخلي الى فرصة لاعادة رسم العلاقة بين النقابات والسلطة على اسس اضعف.
خلفيات نقابية: ازمة حوكمة وصراع اجيال
الواضح ان هذه الحادثة تعكس، في عمقها، ازمة حوكمة داخل العمل النقابي، تتجلى في غياب الوضوح في توزيع الصلاحيات، وضعف اليات ادارة الخلاف، وهيمنة منطق التوازنات الشخصية والجهوية على حساب النقاش البرامجي. كما تبرز ملامح صراع اجيال بين قيادات تاريخية تتمسك بخيارات تقليدية، واطراف اخرى تدعو الى تجديد الخطاب والادوات، بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والسياسية.
كذلك يبدو ان إقرار الاضراب العام احرج الطبوبي سياسيا وربما خشي من تبعاته في ظل الحديث عن محاسبة وملفات وغير ذلك..
خلفيات سياسية: نقابة في قلب العاصفة
وهوما يعني انه لا يمكن فصل ما جرى من استقالة وتراجع عن الاستقالة عن السياق السياسي العام، حيث تجد المنظمة النقابية نفسها في موقع حساس بين الدفاع عن المطالب الاجتماعية، وتجنب الانزلاق الى صدام شامل مع السلطة، قد تكون كلفته باهظة. وفي هذا الاطار، تصبح كل استقالة او تراجع عنها حدثا سياسيا بامتياز، يخضع لحسابات دقيقة تتجاوز الاشخاص الى موازين القوى داخل البلاد.
ما بعد التراجع
ورغم طي صفحة الاستقالة شكليا، الا ان الواضح ان الاتحاد العام التونسي للشغل، هذه المنظمة العريقة لن تبقى كما كانت عليه قبل “حادثة الاستقالة”. كما ان الاسئلة الجوهرية تبقى مطروحة: هل شكلت هذه الحادثة فرصة لمراجعة اساليب العمل الداخلي؟ ام انها ستضاف الى سجل الازمات المؤجلة؟ وهل يستطيع نورالدين الطبوبي ومن معه تحويل التراجع الى نقطة قوة تفتح نقاشا جديا حول اصلاح العمل النقابي، ام ان منطق التسويات الظرفية سيظل سيد الموقف؟
في المحصلة، تكشف استقالة لم تكتمل عن ازمة أكبر من مجرد خلاف عابر، ازمة نقابة تبحث عن توازنها في زمن سياسي مضطرب، وقيادات مطالبة اليوم أكثر من اي وقت مضى بقراءة الواقع بجرأة، قبل ان تتحول الخلافات الداخلية الى عامل اضعاف لا يمكن تداركه.





