أراء

ايران في مفترق طرق حاسم بين الانفجار الداخلي او الانزلاق نحو مواجهة اقليمية ودولية واسعة

 لوبوان-كتب سفيان رجب

تعيش ايران واحدة من اخطر مراحلها منذ قيام الجمهورية الاسلامية، في ظل تداخل ازمات داخلية خانقة مع ضغوط خارجية غير مسبوقة، ما يجعل البلاد تقف اليوم على مفترق طرق حاسم بين الانفجار الداخلي، او الانزلاق نحو مواجهة اقليمية ودولية واسعة.

ففي الداخل، تتوسع رقعة الاضطرابات الاجتماعية بوتيرة متسارعة، مدفوعة بانهيار اقتصادي حاد، وتدهور غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، وفقدان شريحة واسعة من الايرانيين ثقتهم في قدرة السلطة على ادارة الازمة. وفي الخارج، تتكثف الضغوط الاميركية والاسرائيلية والاوروبية، وسط تهديدات صريحة باستخدام القوة، ومحاولات لعزل طهران سياسيا واقتصاديا.

احتجاجات تتجاوز الاقتصاد نحو شرعية النظام

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها المدن الايرانية منذ أشهر محصورة في مطالب معيشية او فئوية. صحيح ان شرارتها الاولى كانت انهيار الريال، وارتفاع اسعار المواد الاساسية، وتراجع القدرة الشرائية، لكن سرعان ما تحولت الى حراك واسع يعكس ازمة ثقة عميقة بين المجتمع والسلطة.

اللافت في هذه الموجة الاحتجاجية انها اخترقت تقليديا معاقل كانت توصف بالقريبة من النظام، مثل التجار في البازارات الكبرى، وشرائح من الطبقة الوسطى في طهران واصفهان ومشهد. وهو ما يعكس انتقال الغضب من الهامش الاجتماعي الى قلب البنية الاقتصادية للنظام.

في المقابل، ترد السلطات الايرانية بمقاربة امنية صارمة، ما يفاقم منسوب الاحتقان، ويجعل الازمة مفتوحة على احتمالات اكثر خطورة.

انهيار اقتصادي يهدد السلم الاجتماعي

يشكل الاقتصاد نقطة الضعف الاكثر حساسية في المشهد الايراني الحالي. فالريال بلغ مستويات متدنية تاريخيا امام الدولار، والتضخم التهم دخول الاسر، فيما باتت فئات واسعة عاجزة عن تامين احتياجاتها الاساسية.

وتعود جذور الازمة الاقتصادية الى عوامل مركبة، من بينها العقوبات الدولية، وسوء الادارة، وهيمنة مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري على مفاصل حيوية من الاقتصاد، اضافة الى استنزاف الموارد في ملفات اقليمية وعسكرية.

هذا الانهيار لا يضغط فقط على المواطن، بل يضرب ايضا قدرة الدولة على شراء الولاءات الاجتماعية، وهي احدى الادوات التقليدية التي اعتمد عليها النظام لضمان الاستقرار.

ترامب يعود بلغة التهديد والعقوبات القصوى

على الساحة الدولية، يعيد الرئيس الاميركي دونالد ترامب احياء سياسة الضغط الاقصى ضد ايران، ولكن بنبرة اكثر حدة. فخطابه لا يكتفي بالعقوبات، بل يتضمن تهديدات مباشرة للنظام، وربط واضح بين ما وصفه بالقمع الداخلي واحتمال التدخل الخارجي.

الادارة الاميركية تلوح بعقوبات ثانوية تطال اي دولة او جهة تتعامل اقتصاديا مع ايران، في محاولة لخنق ما تبقى من شرايين مالية للنظام. كما تترك الباب مفتوحا امام خيارات عسكرية محدودة او سيبرانية، في حال تطورت الاحداث نحو ما تعتبره واشنطن تهديدا لمصالحها او لحلفائها.

تحرش اسرائيلي وضغوط اوروبية

في موازاة الضغط الاميركي، تواصل اسرائيل سياستها القائمة على استهداف ايران بشكل غير مباشر، سواء عبر عمليات استخباراتية، او ضربات موضعية، او تهديدات علنية بضرب المنشآت النووية والعسكرية.

اما اوروبا، فتتحرك في مسار مختلف شكلا، لكنها تصب في الاتجاه نفسه. اذ تركز العواصم الاوروبية على ملف حقوق الانسان، ملوحة بعقوبات اضافية بسبب ما تعتبره قمع الاحتجاجات، لكنها في الوقت ذاته عاجزة عن لعب دور الوسيط، بعد فقدان الثقة الايرانية في جدوى المسار الدبلوماسي.

بين الانفجار الداخلي والمواجهة الخارجية: سيناريوهات محتملة

السيناريو الاول: استنزاف داخلي طويل ويقوم هذا السيناريو على استمرار الاحتجاجات بوتيرة متقطعة، مقابل تشدد امني يمنع سقوط النظام، لكنه يعمق تآكله البطيء. في هذه الحالة، تدخل ايران مرحلة شبيهة بالجمود الخطير، حيث لا انهيار كامل ولا استقرار، مع تدهور متواصل للاقتصاد، وتراجع دورها الاقليمي.

السيناريو الثاني: تصعيد خارجي محسوب. ويفترض هذا السيناريو لجوء الولايات المتحدة او اسرائيل الى ضربات محدودة، تهدف الى ردع طهران او توجيه رسائل سياسية وعسكرية، دون الانزلاق الى حرب شاملة. غير ان خطورة هذا المسار تكمن في امكانية خروجه عن السيطرة، خاصة في ظل تعدد الجبهات والحسابات الخاطئة.

السيناريو الثالث: انفجار شامل داخلي، وهو السيناريو الاكثر حساسية، حيث يؤدي تلاقي الانهيار الاقتصادي مع انشقاقات داخلية، او تراجع ولاء بعض اجهزة الدولة، الى انفجار واسع قد يغير شكل النظام السياسي نفسه. لكنه يبقى رهينا بقدرة الحراك الشعبي على التنظيم والاستمرارية، وهي نقطة ضعف واضحة حتى الان.

السيناريو الرابع: تسوية اضطرارية، رغم ضعفه، يبقى سيناريو التسوية قائما نظريا، عبر تقديم تنازلات داخلية محدودة، او العودة الى طاولة التفاوض مع الغرب. غير ان هذا الخيار يصطدم بتيارات متشددة داخل النظام ترى في اي تنازل تهديدا وجوديا.

وخلاصة القول، اليوم إيران ليست امام ازمة عابرة، بل امام لحظة تاريخية فارقة. توازن هش بين سلطة تعاني من تآكل شرعيتها، ومجتمع مثقل بالغضب، وضغوط خارجية ترى في هذا الضعف فرصة لإعادة رسم موازين القوى.

الاشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت طهران قادرة على احتواء العاصفة، او ان البلاد تتجه نحو مرحلة من الفوضى والتصعيد، قد لا تقتصر تداعياتها على الداخل الايراني، بل تمتد الى كامل المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى