أراءرياضة

الاسماء الكبيرة في حسابات الكرة الجزائرية:  من زيدان الى مبابي… أوعندما تلهم التجربة السعودية مشاريع الاستثمار الرياضي

 

    لوبوان-كتب سفيان رجب

لم يعد توجه الجامعة الجزائرية لكرة القدم نحو استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية مجرد خيار تقني لسد بعض النقائص الفنية، بل تحول خلال السنوات الاخيرة الى استراتيجية متكاملة تحمل ابعادا رياضية ورمزية وتسويقية في آن واحد. فبعد اعلان انضمام لوكا زيدان رسميا الى صفوف المنتخب الجزائري ومشاركته الناجحة جدا كحارس اول في كان المغرب الدائرة حاليا، يطفو على السطح اسم جديد لا يقل ثقلا من حيث الدلالة الرمزية، ويتعلق الامر بايثان مبابي، الشقيق الاصغر لنجم الكرة العالمية ونجم ريال مدريد كيليان مبابي.

الاهتمام الجزائري بايثان مبابي لا يمكن قراءته فقط من زاوية مستواه الحالي كلاعب شاب ينشط في وسط ميدان نادي ليل الفرنسي، بل يتجاوز ذلك ليعكس وعيا متزايدا داخل دوائر القرار الكروي باهمية الاسم، والرمز، وما يحمله من قيمة معنوية واعلامية وتجارية في زمن اصبحت فيه كرة القدم صناعة عالمية متكاملة.

من لوكا زيدان الى ايثان مبابي: مسار واحد ورهانات متعددة

حين حسم لوكا زيدان قراره بتمثيل الجزائر، لم يكن ذلك مجرد انتقال حارس مرمى من منتخب محتمل الى اخر، بل شكل حدثا رمزيا لافتا. اسم زيدان، بكل ما يحمله من ثقل تاريخي في الذاكرة الكروية العالمية، عاد ليرتبط بالجزائر من بوابة المنتخب الوطني، وهو ما منح القرار بعدا يتجاوز المستطيل الأخضر زاده مواكبة النجم على الدوام زين الدين زيدان لكل مقابلات المنتخب الجزائري في كان المغرب كمشجع لبلده الأصلي أولا ولابنه ثانيا.

اليوم، يتكرر المشهد مع اسم مبابي، الاسم الذي بات علامة تجارية عالمية بامتياز. صحيح ان الحديث يدور حول ايثان، وليس كيليان، لكن في عالم التسويق الرياضي، لا وجود لاسم محايد. فمجرد اقتران لقب مبابي بالمنتخب الجزائري يخلق حالة اهتمام اعلامي دولي، ويعيد تسليط الاضواء على المشروع الكروي للجزائر خارج حدود المنافسة الرياضية الصرفة.

كرة القدم كقوة ناعمة

في السياق الحالي، تدرك الجزائر ان المنتخب الوطني لم يعد فقط اداة للمنافسة القارية او العالمية، بل أصبح ايضا وسيلة من وسائل القوة الناعمة. استقطاب اسماء ذات حمولة رمزية عالية يساهم في تحسين صورة الكرة الجزائرية دوليا، ويعزز حضورها في الفضاء الاعلامي الاوروبي، خاصة في فرنسا، حيث يتقاطع البعد الرياضي مع التاريخي و”الهوياتي”.

الرسالة هنا مزدوجة، من جهة، الجزائر قادرة على اقناع ابناء جاليتها ومزدوجي الجنسية بمشروعها الرياضي، ومن جهة اخرى، هي قادرة على منافسة منتخبات كبرى، ليس فقط على المواهب، بل على مستوى الجاذبية والاقناع.

التجربة السعودية: الاستثمار في الاسم كرافعة استراتيجية

في هذا السياق، تبرز التجربة السعودية كنموذج واضح لكيفية توظيف الاسماء الكبيرة في خدمة مشروع رياضي وطني شامل. فالمملكة العربية السعودية لم تتعامل مع استقطاب النجوم العالميين في كرة القدم بوصفه هدفا استعراضيا، بل كجزء من رؤية استراتيجية اوسع تهدف الى اعادة تشكيل صورة الدوري المحلي وتعزيز مكانته القارية والدولية. وهو ما نجحت فيه بشكل كبير ولافت.

استقدام اسماء عالمية وذات قيمة رمزية عالية اسهم في رفع منسوب الاهتمام الاعلامي العالمي، وجذب الرعاة والمستثمرين، وتحسين جودة المنافسة، الى جانب نقل الخبرات المهنية والاحترافية. هذا التوجه انعكس ايضا على المنتخبات الوطنية، من حيث الجاهزية، والتنافسية، والقدرة على التسويق الخارجي.

والاهم ان التجربة السعودية اظهرت ان الاستثمار في الرمز لا يتعارض مع بناء القاعدة، بل يمكن ان يشكل محفزا لتطوير البنية التحتية، وتكوين اللاعبين المحليين، وتعزيز الثقة في المشروع الرياضي الوطني على المدى المتوسط والبعيد.

البعد التجاري والتسويقي: ما لا يقال عادة

وراء الكواليس، لا يمكن فصل هذه التحركات عن البعد التجاري. اسم مثل زيدان او مبابي يفتح ابوابا واسعة امام عقود الرعاية، وحقوق البث، والتسويق، وجذب العلامات التجارية العالمية. المنتخبات الوطنية اليوم تدار بعقلية اقتصادية، وكل زيادة في القيمة الرمزية للمنتخب تنعكس مباشرة على مداخيله وفرص شراكاته.

المنتخب الجزائري، الذي يتمتع بقاعدة جماهيرية ضخمة داخل البلاد وخارجها، يصبح اكثر جاذبية للمستثمرين عندما يرتبط باسماء عالمية، حتى وان كانت في بداياتها الدولية. الامر لا يتعلق فقط بالاداء داخل الملعب، بل بالقصة التي تروى حول المنتخب، وبالرموز التي يحملها.

ايثان مبابي: لاعب شاب وملف مفتوح

من الناحية الرياضية البحتة، يبقى ايثان مبابي لاعبا في طور التكوين، لم يحسم بعد مكانته النهائية في كرة القدم الاوروبية، ولم يسبق له تمثيل المنتخب الفرنسي الاول او منتخب الامال. هذا المعطى يمنح الجزائر هامشا زمنيا ومجالا للمناورة، لكنه في الوقت نفسه يجعل الملف حساسا، لان اي قرار سيتخذ سيكون محملا بتاويلات اعلامية واسعة.

اختيار ايثان مبابي للجزائر، ان حصل، لن يكون مجرد انتقال دولي، بل حدثا رمزيا سيقرأ باعتباره امتدادا لتحول اكبر في موازين الجذب بين المنتخبات، ورسالة مفادها ان الجزائر لم تعد خيارا ثانيا، بل مشروعا قائما بذاته.

بين الرهان الرياضي ورسالة الهوية

في النهاية، تبدو الجامعة الجزائرية لكرة القدم وكأنها تسير على خيط دقيق بين الرهان الرياضي ورسالة الهوية. فاستقطاب الاسماء الكبيرة لا يجب ان يتحول الى غاية في حد ذاته، بقدر ما ينبغي ان يندمج ضمن مشروع فني متكامل يحافظ على توازن المجموعة ويخدم الاداء داخل الملعب.

لكن الثابت ان الجزائر، من خلال ملفات زيدان ومبابي، وضمن مناخ اقليمي بات اكثر وعيا باهمية الرمز والاستثمار الرياضي كما تؤكد التجربة السعودية، دخلت مرحلة جديدة في ادارة صورتها الكروية، حيث لم تعد الكرة مجرد لعبة، بل لغة تأثير، واداة قوة ناعمة، ومنصة اقتصادية تعكس طموح دول تسعى الى تثبيت مكانتها قاريا ودوليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى