
لوبوان تي ان :
دخلت تونس سنة 2025 وهي محاطة بسلسلة من الضغوط المتداخلة، حيث تزامنت أزمة داخلية ممتدة مع تحولات دولية عميقة، جعلت من هذه السنة لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود والتكيّف. ففي عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب وتراجع منطق التوافق، وجدت البلاد نفسها أمام خيارات محدودة، يتحكم فيها منطق الضرورة أكثر مما تحكمها حرية القرار.
برزت الأزمة المعيشية كأحد أكثر مظاهر هذا الواقع وضوحًا، مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تباطأ فيه النشاط الاقتصادي وازدادت صعوبات تعبئة الموارد والوفاء بالالتزامات الخارجية. ولم يكن هذا الوضع معزولًا عن السياق الدولي، إذ تزامن مع تباطؤ الاقتصاد العالمي، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع كلفة الطاقة، فضلًا عن تشدد السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى.
وقد عمّقت النزاعات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، هذه الضغوط، وقلّصت هامش المناورة أمام دول ذات هشاشة بنيوية مثل تونس.
في مواجهة هذا المشهد، اتجهت السلطة إلى تبنّي إصلاحات قُدّمت باعتبارها حتمية، غير أن آثارها المباشرة زادت من حدة الجدل الداخلي، خاصة مع انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين في ظل غياب نتائج ملموسة وسريعة. وقد ترافق ذلك مع شعور متنامٍ بأن كلفة هذه الخيارات تُوزّع بشكل غير متوازن، ما ساهم في تعميق منسوب القلق وعدم اليقين.
هذا الجدل الاقتصادي والاجتماعي تداخل مع تحولات سياسية أعادت تشكيل المشهد العام، حيث تواصل مسار تركيز القرار داخل السلطة التنفيذية تحت عنوان الاستقرار والنجاعة. غير أن هذا الخيار، وإن وفّر سرعة في اتخاذ القرار، أثار تساؤلات متزايدة حول حدود الاستقرار في ظل تراجع قنوات الوساطة والحوار، وما يترتب عن ذلك من ضعف الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع.
ولم يكن هذا المسار الداخلي منفصلًا عن تحولات عالمية أوسع، فقد شهدت سنة 2025 استمرار الحروب المفتوحة، وتراجع دور المؤسسات الدولية، وصعود منطق القوة في العلاقات الدولية. كما احتدم التنافس الاقتصادي والتكنولوجي، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يحمله من رهانات على النفوذ والموارد، وما يفرضه من ضغوط إضافية على الدول التي تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لمواكبة هذا السباق.
في ظل هذا الواقع، وجدت تونس نفسها أمام تضييق متزايد في هوامش الدعم والتمويل الخارجي، مما جعل خياراتها أكثر ارتباطًا بإكراهات خارجية يصعب التحكم فيها. وهو ما عمّق الإحساس بأن التحديات المطروحة لم تعد قابلة للحل بأدوات داخلية فقط، بل تتطلب إعادة نظر شاملة في موقع البلاد داخل نظام دولي يتغيّر بسرعة.
تكشف سنة 2025، في جوهرها، عن لحظة مفصلية تتقاطع فيها الضرورة الاقتصادية مع الهشاشة الاجتماعية والتحولات السياسية، في سياق عالمي لا يتيح الكثير من البدائل. وبين واقع ضاغط وخيارات محدودة، يبقى الرهان الأساسي هو القدرة على تحويل هذا التداخل المعقّد من عامل استنزاف إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وصياغة أفق أكثر وضوحًا، في زمن تتقلص فيه هوامش الخطأ.
هاجر واسماء




