حامد بن إبراهيم/ باحث، استشاري في العلاقات الدولية 
***
تحليل منطق التفكير الجيوسياسي الإيراني يحتاج إلى معرفة بالخلفية الفكرية والعقائدية للطبقة الحاكمة. وليس من المبالغة القول، إن أدبيات الفكر السياسي لدى هذه النخبة ليست بعيدة عن الرموز الحاضرة في المخيال الحضاري والديني لقطاع واسع من المجتمع الإيراني.
فهذا المجتمع، ذو أغلبية شيعية تحمل في عقيدتها تلازما بين ختامية الرسالة المحمدية التوحيديّة والوفاء بالتوصية النبوية بحب آل البيت والسير على منهجهم. ويتحرك الشعب الإيراني بتنوعاته في كثير من الأحيان ضمن إطار رمزي يمكن وصفه بمنهج رباعي الأبعاد. فالسلوك السياسي قد يكون منفتحاً وتشاركياً، وهو ما يمكن تسميته “البعد المُحمّدي“استلهاماً من تجربة دستور المدينة، القائمة على التعايش المشترك في تسيير الجماعة السياسية. وقد يتخذ طابعاً “عَلوياً“ يقوم على المزاوجة بين الشدة واللين، تبعاً لطبيعة اللحظة التاريخية، استحضاراً لصورة الإمام علي بن أبي طالب، الحيدَريُّ الكرّارُ في خيبر، والقابل بالتحكيم في صِفّين.
أما البعد الثالث فهو “الحَسَني“، أي نهج كظم الغيظ وتقديم التنازل المرحلي مع تأجيل المواجهة، حفاظاً على البقاء وتفضيلاً للديمومة على الفناء. والبعد الذي يبدو حاضراً بقوة في اللحظة الراهنة، في ردّة فعل إيران وشعبها، هو النهج “الحُسيني الكربلائي“؛ حيث يحكُم المعادلة منطق الصمود والمواجهة، تحت شعار: “هيهات منّا الذلة“؛ وتغدو أحياناً الاعتبارات الرمزية والوجودية متقدمة على حسابات الربح والخسارة التقليدية.
ولا تغيب عن الذاكرة الإيرانية رموز تاريخية تجمع بين البعد الفارسي والإسلامي، وفي مقدمتها الصحابي الجليل سلمان الفارسي (مابه بن بوذخشان عندما كان مسيحيا). فالرواية تنسِب إلى فكرته بحفر الخندق، فضل النصر في معركة الأحزاب (الخندق)، وهي الحيلة الدفاعية التي ساهمت في حماية المدينة المنورة وتغيير مسار المواجهة. وتستحضر الثقافة الدينية في إيران هذه الشخصية بوصفها مثالًا على التقاء الحكمة الفارسية بالمشروع الإسلامي الناشئ آنذاك. وربما في هذا الاستحضار الرمزي ما يعكس تصورًا أعمق لدور إيران التاريخي: تقديم حلول غير تقليدية في لحظات التحول الكبرى، والسعي إلى لعب دور الوسيط أو الجسر بين حضارات متعددة. وهو تصور يتردد صداه اليوم في طموحات طهران للمشاركة في إعادة تشكيل خرائط النفوذ والطاقة والمال، حيث يطرح البعض إمكانية ولادة ترتيبات نقدية جديدة، مثل تثبيت مسار تسعير بعض موارد الطاقة بعملات بديلة عن الدولار.
ولم تأتِ النقاشات المتصاعدة حول مستقبل البترو- دولار أو احتمال صعود “البترو- يُوان” في فراغٍ جيوسياسي، بل ولدت في قلب لحظة صدام إقليمي ودولي تتشابك فيها الحرب والاقتصاد والطاقة في معادلة واحدة. فالحرب التي اندلعت أواخر فيفري 2026 بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي دخلت أسبوعها الثاني من التصعيد العسكري المباشر. لم تبقَ محصورة في المجال العسكري، بل سرعان ما امتدت إلى ساحة الاقتصاد العالمي. وفي خضم هذا التصعيد، طرحت طهران معادلة سياسية واقتصادية شديدة الوضوح على لسان قادتها: إذا كان الغرب يفرض حصاراً اقتصادياً على إيران ويمنعها من بيع نفطها والتعامل عبر النظام المالي الدولي، فإن الرد هو: الحصار بالحصار فإما رخاء مشترك أو خراب للجميع.
بمعنى آخر، لن يبقى شريان الطاقة العالمي، المتمثل في مضيق هرمز، بمنأى عن الصراع إذا استمر خنق الاقتصاد الإيراني. ومن هنا ظهرت الرسالة التي حاولت طهران إيصالها إلى العالم: إما رخاء مشترك يسمح لجميع الدول بالانتفاع من التجارة البحرية وتصدير مواردها، أو مواجهة فوضى اقتصادية قد تمتد آثارها إلى النظام المالي والطاقة العالميين معاً. في هذا السياق تحديداً يصبح النقاش حول العملات المستخدمة في تجارة النفط جزءاً من معركة أوسع، تتعلق ليس فقط بأسعار الطاقة أو آليات الدفع، بل بمستقبل توازن القوة في النظام الدولي نفسه.
لم يكن النفط يوماً مجرد سلعة في الأسواق العالمية؛ لقد كان دائماً لغة قوة، وأداة نفوذ، وأحد الأعمدة التي بُني عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ومنذ سبعينيات القرن الماضي تَشكَّل ما عُرف لاحقاً بمنظومة “البترو- دولار”، وهي الترتيب غير المعلن الذي ربط بين تدفق الطاقة العالمية وبين هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي الدولي. بفضل هذا الترتيب، لم يكن النفط مجرد مصدر للثروة، بل أصبح أيضاً أحد أعمدة القوة النقدية الأمريكية، إذ خلق تسعير النفط بالدولار طلباً دائماً على العملة الأمريكية، ورسّخ موقعها كعملة احتياط عالمية لا منافس لها.
غير أن التحولات الجيوسياسية، في العقدين الأخيرين، بدأت تُحدث شروخاً تدريجية في هذا البناء. فالعقوبات المالية الواسعة التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ضد دول مثل روسيا وإيران، كشفت بوضوح أن النظام المالي العالمي لم يعد مجرد بنية محايدة لتسهيل التجارة، بل أصبح أيضاً أداة سياسية يمكن استخدامها للضغط والعزل. ومع تزايد استخدام هذه الأداة، بدأت بعض القوى الدولية الكبرى تبحث عن مسارات بديلة تقلل اعتمادها على الدولار، وتمنحها هامشاً أوسع من الاستقلال الاستراتيجي.
في هذا السياق تحديداً، بدأ مصطلح “البترو- يُوان” يطفو على سطح النقاشات الاقتصادية والجيوسياسية. الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها تحمل في طياتها تداعيات بعيدة المدى: ماذا لو تصاعد تسعير ودفع تجارة النفط العالمية بالعملة الصينية اليوان، بدلاً من الدولار؟ عندها لن يكون الأمر مجرد تغيير تقني في آليات الدفع، بل خطوة رمزية واستراتيجية في آن واحد نحو عالمٍ ماليٍّ أكثر تعددية. وقد بدأت بالفعل بعض المؤشرات تظهر في هذا الاتجاه، حيث تم تنفيذ صفقات للنفط باستخدام اليوان، كما أن بورصة شنغهاي للطاقة أصبحت منصة لتداول عقود نفطية مقومة بالعملة الصينية.
إن الصين، التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى أكبر مستورد للطاقة في العالم، تمتلك من حيث المبدأ ورقة قوية في هذا المجال. فالدول المصدّرة للنفط، سواء في الشرق الأوسط أو في أوراسيا، تعتمد بدرجة متزايدة على السوق الصينية لتصريف إنتاجها. وهذا يمنح بكين قدرة تفاوضية متنامية تتيح لها طرح فكرة التسعير بعملتها الوطنية، خصوصاً في الصفقات الثنائية طويلة الأجل.
لكن صعود اليوان في سوق الطاقة لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع للتحولات الجيوسياسية. فروسيا، التي واجهت عقوبات مالية واسعة بعد الحرب في أوكرانيا، اضطرت إلى إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية نحو آسيا، وخاصة الصين والهند. وفي هذه العملية، بدأت موسكو تقبل المدفوعات بعملات بديلة عن الدولار، سواء باليوان أو بالروبل أو حتى بترتيبات مقايضة معقدة. وبالنسبة لإيران، التي تعيش منذ سنوات خارج النظام المالي الغربي بسبب العقوبات واستبعادها من شبكة التحويلات المالية الدولية، فإن استخدام اليوان أو العملات المحلية ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية.
ومن هنا تتشكل تدريجياً شبكة غير رسمية من الترتيبات المالية والتجارية التي تقلل الاعتماد على الدولار في تجارة الطاقة بين بعض الدول الآسيوية والأوراسية. هذه الشبكة لا ترقى بعد إلى مستوى نظام بديل متكامل، لكنها تعكس اتجاهاً واضحاً نحو ما يسميه بعض الاقتصاديين “إزالة الدَّولَرة جزئياّ De-Dolorasation”. فالدولار لن يختفي من المشهد فُجائيّا في شكل صدمة، لكنه يفقد تدريجياً احتكاره لبعض المجالات التي كان يهيمن عليها لعقود طويلة.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو “البترو- يُوان” لا يزال مليئاً بالعقبات. فالقوة الحقيقية لأي عملة دولية لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد الذي يقف خلفها، بل أيضاً على عمق الأسواق المالية المرتبطة بها ودرجة الثقة العالمية في مؤسساتها. وفي هذا المجال تحديداً ما زال الدولار يتمتع بتفوق واضح. فالولايات المتحدة تملك أسهل الأسواق المالية من حيث السيولة في العالم، كما أن سندات الخزانة الأمريكية لا تزال تُعتبر – نسبياّ- ملاذًا آمناً للمستثمرين والبنوك المركزية.
في المقابل، يواجه اليوان قيوداً هيكلية تتعلق بطبيعة النظام المالي الصيني نفسه. فالعملة الصينية ليست حرة بالكامل في التحويل، وتخضع لرقابة حكومية واسعة، وهو ما يجعل العديد من المستثمرين الدوليين مترددين في الاحتفاظ بكميات كبيرة منها كاحتياطي استراتيجي. لذلك، حتى لو توسعت تجارة النفط باليوان، فإن تحويله إلى عملة احتياط عالمية منافسة للدولار قد يبقى عملية بطيئة ومعقدة، في غياب تغيُّر في السياسة النقدية الخارجية الصينية.
ومع ذلك، فإن أهمية النقاش حول “البترو- يُوان” لا تكمن في كونه بديلاً فورياً للبترو- دولار، بل في كونه مؤشراً على تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية، ليس فقط في السياسة والأمن، بل أيضاً في الاقتصاد والمال. وفي مثل هذا العالم، قد تختفي الهيمنة النقدية المطلقة للدولار، ويتحول الى أحد العملات المتنافسة داخل مراكز القوى المالية، وأهمها اليورو والدولار واليوان وربما الروبل.
ومن زاوية أخرى، يرتبط مستقبل هذا التحول أيضاً بسلوك الدول المصدّرة الكبرى في الشرق الأوسط. فهذه الدول، التي كانت تاريخياً حجر الأساس في منظومة البترو- دولار، تجد نفسها اليوم في موقع يسمح لها بالمناورة بين القوى الكبرى. والاحتفاظ بعمق علاقاتها مع الولايات المتحدة، لا يمنعها من تقوية روابطها الاقتصادية مع آسيا، وخاصة الصين. هذا التوازن يمنحها هامشاً من المرونة، قد يُترجم مستقبلاً في قبول صفقات نفطية بعملات متعددة، حتى وإن بقي الدولار عملة هامة.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان “البترو- يوان” سيأخذ موقع البترو- دولار في المستقبل القريب، بل ما إذا كان العالم يتجه نحو نظام طاقة ومال متعدد العملات. وإن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة انتقالية طويلة، انطلقت تحت النار ووقع القصف الصاروخي الإيراني. والمنظومة العالمية قد تنتقل من هيمنة نقدية شبه مطلقة للدولار، إلى توازن أكثر تعقيداً بين عدة مراكز قوة. وإذا كان النفط قد ساهم في ترسيخ هيمنة الدولار في القرن الماضي، فمن الممكن أن يصبح مرة أخرى – عبر تراجعه – أحد العوامل التي تساهم في تشكيل الخريطة النقدية للعالم في العقود القادمة.




