أحداث
أخر الأخبار

إدانة رضا بوكادي وعبد الحكيم بلحاج قضائيا تعيد ملف اختفاء القطاري والشورابي الى السطح

لوبوان-سفيان رجب

لم يكن الحكم الصادر أمس ضد السفير التونسي السابق في ليبيا رضا بوكادي وكذلك الحكم الصادر ضد القيادي الليبي عبد الحكيم بلحاج في ملفين قضائيين متداخلين، مجرد محطة قضائية عابرة، بل فتح، في تقدير عديد المتابعين، بابا واسعا في أحد أكثر الملفات إيلاما وغموضا في تونس وهو ملف اختفاء الصحفيين نذير القطاري وسفيان الشورابي.

فقد قضت هيئة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس بالسجن 26 عاما مع النفاذ العاجل في حق سفير تونس الأسبق بليبيا رضا البوكادي.

كما قضت المحكمة بـ10 سنوات سجنا في حق المستشار السابق لوزير الداخلية الأسبق علي العريض سمير الحناشي، إضافة إلى 6 سنوات سجنا في حق مهرّب.

كذلك قرّرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس الثلاثاء 24 مارس 2026 إدانة المتهمين في ما بات يعرف إعلاميا بملف “وضع النفس على ذمّة جيش أجنبي زمن السلم” والذي تمت فيه ادانة رجل الاعمال شفيق جراية واطراف ليبية منها عبد الحكيم بلحاج السياسي والقائد العسكري الليبي سابقا.

هذه الاحكام، بما تحملها من دلالات، لا تكتفي بإدانة أشخاص، بل تفتح الباب أمام إعادة قراءة شاملة لسنوات من الصمت، والتصريحات المتضاربة، والقنوات الموازية التي أحاطت بقضية لم تكن، على ما يبدو، إنسانية فقط.

شبهة قائمة

في فترة حكم “الترويكا” بقيادة حركة النهضة ثم في مرحلة حكومة المهدي جمعة وقتها كان رضا بوكادي سفيرا لتونس بليبيا وهو البعيد كل البعد عن مجال الديبلوماسية، كانت الرواية الرسمية “المصدّرة” تدور في فلك “اختفاء في بيئة خطرة” وان فك شيفرة هذا الاختفاء ستكون بمقابل وتنازلات تونسية سياسية لفائدة اطراف ليبية تحوم حولها شبهات إرهابية.. وهو ما يعني توظيف ملف القطاري والشورابي داخل شبكة تفاوض غير رسمية، استخدمت فيها الدولة التونسية كطرف خاضع للضغط بتواطؤ “رسمي” تونسي في البداية.. وهو ما توصل اليه القضاء التونسي مؤخرا حيث وبإدانة بوكادي وبلحاج معا في ملف واحد، فان هذا يعني، سياسيا، أن القضاء أقر بوجود ترابط بين فاعل دبلوماسي تونسي وفاعل مسلح ليبي في إدارة عدد من الملفات ومنها ملف الاختفاء الغامض، وهو ما يخرج القضية من إطارها التقليدي إلى فضاء أكثر تعقيدا، فضاء التقاطعات بين الدبلوماسية غير الرسمية، والجماعات المسلحة، والمصالح الإقليمية وقتها.

العودة إلى البداية: اختفاء في قلب الفوضى

في سبتمبر 2014، اختفى الصحفيان نذير القطاري وسفيان الشورابي في ليبيا، وتحديدا في منطقة تخضع آنذاك لنفوذ جماعات مسلحة متنازعة.

منذ اللحظة الأولى، لم يكن المشهد عاديا، تضارب في الروايات، غياب معطيات دقيقة، اعتماد قنوات غير رسمية للبحث والتفاوض…لكن ما لم يكن واضحا آنذاك، وبدأ يتكشف تدريجيا، هو أن الملف لم يدار فقط عبر مؤسسات الدولة، بل عبر شبكات موازية.

وقتها برز اسم رضا بوكادي السفير بسرعة كأحد أبرز المتدخلين في الملف بصفته سفير تونس المعين في ليبيا. لكن تدخله لم يكن تقليديا حيث أعلن امتلاكه لقنوات اتصال مباشرة مع مجموعات ليبية مسلحة وأكد في أكثر من مناسبة أن الصحفيين “على قيد الحياة” وربط الإفراج عنهما بشروط سياسية، من بينها ملفات حساسة تخص ليبيا وتخص جرحي وموقوفين من مجموعات مسلحة يشتبه في انتمائها الى مجموعات إرهابية.

هذه التصريحات، التي بدت في حينها محاولة لطمأنة الرأي العام، تقرأ اليوم في ضوء الحكم القضائي كجزء من دور يتجاوز التمثيل الدبلوماسي إلى التفاوض الميداني المباشر.

بلحاج… صلة الوصل

وجود الشخصية الليبية عبد الحكيم بلحاج في قلب حكم قضائي تونسي لا يمكن اعتباره “تفصيلا”، فالرجل، الذي يعد من أبرز الفاعلين في المشهد السياسي الليبي بعد 2011، كان يمتلك نفوذا داخل تشكيلات مسلحة وشبكات معقدة من العلاقات.

وإدانته إلى جانب بوكادي تعني أن الملف لم يكن يمر فقط عبر القنوات الرسمية،

بل عبر وساطات ترتكز على ميزان القوة على الأرض.وهنا تتعزز فرضية أن قضية القطاري والشورابي تحولت، في مرحلة ما، إلى ورقة تفاوض وضغط بين أطراف متعددة ليبية-ليبية وكذلك ليبية-تونسية.

وعند العودة إلى أرشيف تصريحات بوكادي، يظهر خيط واضح، تأكيد متكرر من قبل بوكادي على إمكانية الإفراج وحديث عن “حلول إيجابية جاهزة” وربط التنفيذ أي الافراج بقرارات سيادية تونسية.

هذا الربط والترابط هو ما يمنح اليوم بعدا خطيرا لتلك التصريحات، إذ يوحي بأن النوايا لم تكن مجرد مساعي لإنقاذ مواطنين تونسيين، بل كانت أساسا أداة للضغط على القرار التونسي في ملفات أخرى منها السيادي.

هل تم خلق ثم إطالة أمد الأزمة عمداً؟

أحد أكثر الأسئلة حساسية اليوم وبعد اكثر من عقد من الزمن، هل كان من الممكن حل الملف في وقت مبكر، لولا إدخاله في حسابات سياسية؟

فطوال سنوات، لم تفضِ “القنوات المفتوحة” التي تحدث عنها بوكادي وقتها إلى نتيجة ملموسة، رغم تأكيده المتكرر على قرب الحل. وبعد 11 سنة ظل الملف مفتوحا مع غياب أي معلومة عن نذير وسفيان. ومع الإدانة، يصبح هذا الفشل محلّ تساؤل مشروع، هل كان عجزا… أم توظيفا متعمدا للأزمة ذهب ضحيته الصحفيان وعائلتاهما؟

دولة داخل الدولة؟

المعطيات التي ظهرت وقتها رسمت صورة مقلقة وهي ان قنوات التفاوض كانت خارج الإطار الرسمي في ظل وجود تداخل بين دبلوماسيين وفاعلين مسلحين

وغياب الشفافية في إدارة الملف وهي عناصر تقود إلى فرضية وجود شبكة موازية اشتغلت على الملف خارج مؤسسات الدولة، أو على الأقل في هامشها بتواطؤ الدولة في ظل حكومة الترويكا ثم عجزها في ظل حكومة جمعة مع نقط استفهام حول تعامل الدولة وممثلها الديبلوماسي مع الملف ومع اطراف مارقة على القانون ثبت بعد سنوات وحسب القضاء التونسي انها كانت تعمل ضد الدولة ومصالحها لفائدة الغير..

الحكم يفتح الملف مجددا

ان الحكم الصادر ضد بوكادي وبلحاج في قضايا تهم أمن الدولة، ان كان تضمن من بين فصوله وفقراته وسطوره بحثا عن الحقيقة في ملف اختفاء الصحفيين التونسين، فان الإدانة، تعني إجابة عن أسئلة ظلت معلقة لسنوات منها:

  • من سهّل اومن بارك او من استغل عملية الاختطاف؟
  • من دفع وأرسل الصحفيين الى ارض الوغاء؟
  • من مصلحة من ادخال الصحفيين في صفقات تفاوض سياسية عبر قنوات تفاوض غير رسمية؟
  • من كان على علم بهذه القنوات داخل الدولة؟
  • هل كانت هناك تغطية سياسية على ملف الاختفاء؟
  • من المستفيد وقتها من إطالة الملف والإبقاء على الغموض؟

اليوم، وبعد حكم قضائي اقر بترابط سياسي وديبلوماسي ومليشي، لم تعد قضية نذير القطاري وسفيان الشورابي مجرد ملف مفقودين. لقد تحولت، مع هذا الحكم، إلى قضية دولة تتداخل فيها المسؤوليات وتنكشف فيها حدود الدبلوماسية، وتطرح فيها أخطر الأسئلة حول استخدام الملفات الإنسانية في الصراعات السياسية. والنتيجة مأساة إنسانية طالت أكثر من اللزوم.

وبين حكم صدر… وحقيقة لم تكتمل بعد، يبقى السؤال الأهم مفتوحا: من أدار هذا الملف فعلا؟ ولفائدة من؟ وهل يفتح الحكم القضائي مجددا الباب أمام الأطراف الرسمية في الدولتين للتعامل مع الملف كدولتين بعيدا عن المليشيات والنزاعات السياسية.. فمن غير الممكن اليوم التعامل مع ملف نذير القطاري وسفيان الشورابي كحادثة عابرة في زمن الفوضى الليبية، ولا كقدر سيئ لصحفيين دخلا منطقة خطرة. الحكم القضائي الأخير، بما حمله من إدانة صريحة لتقاطع الدبلوماسي مع المسلح، أعاد رسم ملامح القضية من اختفاء غامض إلى منظومة اشتغلت في الظل، وتلاعبت بملف إنساني ثقيل.

اليوم، سيظل السؤال الاول قائما الا وهو أين الشورابي والقطاري؟  ولكن وأيضا ستبقى أسئلة أخرى مطروحة منها من استثمر في اختطافهما وتغييبهما؟ ومن حوّل مأساتهما إلى ورقة تفاوض؟

فإن كان القضاء قد خطا خطوة أولى في كسر الصمت، فإن استكمال الحقيقة يظل رهين إرادة سياسية وقضائية كاملة، لا تكتفي بمحاسبة الأفراد، بل تمتد إلى كشف كل الشبكات، وكل من تورّط، بالصمت أو بالفعل، في واحدة من أكثر القضايا إيلاما في تونس الحديثة.

وبين عدالة بدأت تتحرك… وذاكرة لم تهدأ، يبقى الأمل الوحيد في تكثيف المساعي ومضاعفتها من أجل عودة نذير وسفيان وألا يطوى هذا الملف مرة أخرى، قبل أن تكشف الحقيقة كاملة… ومهما كانت كلفتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى