
دخلت فنزويلا صباح اليوم مرحلة غير مسبوقة من تاريخها السياسي والامني، عقب اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن القاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جوا الى خارج البلاد، في عملية وصفها ترامب بـ”الواسعة النطاق” والمنسقة مع جهات انفاذ القانون الامريكية، ومسنودة بضربات عسكرية طالت مواقع استراتيجية داخل فنزويلا.
هذا التطور، ان ثبت رسميا، يمثل اخطر تدخل مباشر للولايات المتحدة في شؤون دولة في اميركا اللاتينية منذ عقود، ويضع فنزويلا امام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين تغيير قسري للنظام، وانزلاق داخلي نحو الفوضى، وتصعيد اقليمي ودولي واسع.
عملية عسكرية ذات ابعاد استراتيجية
المعطيات المتوفرة تشير الى ان العملية لم تكن محدودة او رمزية، بل شملت استهداف موانئ، وقواعد جوية، ومجمعات عسكرية، من بينها ميناء لا غويرا، قاعدة لاكارلوتا، مجمع حصن تيونا، ومطار هيغيروتي، فضلا عن منزل وزير الدفاع الفنزويلي. هذا الانتشار الجغرافي للهجمات يعكس هدفا واضحا يتمثل في شل مراكز القرار العسكري واللوجستي للدولة الفنزويلية ومنع اي رد منظم.
كما ان ورود اسم قوات “دلتا” الامريكية في عملية الاعتقال، بحسب شبكة سي بي اس نيوز، يضفي على العملية طابعا نوعيا عالي الحساسية، ويشير الى قرار سياسي وعسكري على اعلى مستوى في واشنطن.
فراغ السلطة ومخاطر الانقسام الداخلي
اعلان اعتقال مادورو يطرح فورا سؤال الشرعية والسلطة في كراكاس. فحتى اللحظة، لم يصدر موقف رسمي واضح من القيادة الفنزويلية يؤكد او ينفي الخبر، باستثناء اعلان حالة الطوارئ والدعوة الى التعبئة، ما يعكس ارتباكا كبيرا داخل مؤسسات الدولة.
في حال تأكد غياب مادورو عن المشهد، فان فنزويلا ستكون امام فراغ دستوري خطير، قد يفتح الباب امام صراع داخلي بين الجيش، والمعارضة، والقوى الشعبية الموالية للنظام، في بلد يعاني اصلا من هشاشة اقتصادية واجتماعية حادة.
رسالة امريكية تتجاوز فنزويلا
سياسيا، يبدو ان الرسالة الامريكية لا تقتصر على مادورو وحده، بل تمتد الى حلفاء فنزويلا الاقليميين والدوليين، وعلى راسهم ايران وروسيا، اللتين سارعتا او حلفاؤهما الى التنديد بالهجوم. هذا التحرك قد يعيد رسم خطوط التماس الجيوسياسي في اميركا اللاتينية، ويؤشر الى عودة سياسة “القبضة الصلبة” الامريكية في محيطها الاستراتيجي.
كما ان اختيار ترامب الاعلان بنفسه عن العملية، وعقد مؤتمر صحفي عاجل، يوحي برغبة في توظيف الحدث سياسيا داخليا وخارجيا، واظهاره كنجاح حاسم في مواجهة نظام لطالما وصفته واشنطن بغير الشرعي.
سيناريوهات مفتوحة
بين تأكيد الخبر ونفيه، تبقى فنزويلا في عين العاصفة. السيناريوهات المحتملة تتراوح بين:
- فرض سلطة انتقالية بدعم خارجي.
- اندلاع مواجهات داخلية واسعة.
- تدخلات اقليمية مضادة.
- او حتى انزلاق نحو حرب اهلية محدودة او طويلة الامد.
في كل الحالات، ما جرى اليوم، او ما يعلن عن وقوعه، لا يمكن اعتباره حدثا عابرا، بل نقطة تحول قد تعيد رسم مستقبل فنزويلا ومكانتها في المعادلة الدولية.
ويبقى العامل الحاسم في الساعات القادمة هو وضوح الصورة على الارض، وموقف الجيش الفنزويلي، وردود الفعل الدولية، التي ستحدد ما اذا كانت فنزويلا دخلت فعلا عهدا جديدا ام ان المنطقة على موعد مع فصل جديد من الفوضى.





