
بقلم: حامد بن إبراهيم باحث في العلاقات الدولية
***
غالباً ما تُقرأ التحولات الاستراتيجية الأميركية في السنوات الأخيرة من خلال شخصية دونالد ترامب، كمجرد نزوات خطابية بلا عمق مؤسساتي، وفي أحسن الأحوال تُقدَّم بوصفها قطيعة فوضوية مع النظام الدولي. وفي المقابل، تختزل أغلب القراءات الغربية الصعود الصيني في سرديات أخلاقية أو صدامية تفتقر إلى التحليل البنيوي.
وينطلق هذا المقال من فرضية مغايرة، مفادها أن ما نشهده ليس انحرافاً ظرفياً، بل إعادة تموضع استراتيجي أميركي جذري وبنيوي، تُعبّر عنه تصريحات ترامب بفظاظة، فيما تواصل الدولة الأميركية ترجمته بأدوات أكثر سلاسة ومؤسسية. ويمكن القول إن الصين، رغم تسييرها مركزياً من قبل الحزب الشيوعي، لا تُقارَب داخل الآلة العميقة للقرار الأميركي كتهديد أيديولوجي، بل كفاعل دَولتي يوظّف أدوات اقتصادية ضمن منطق قوة عقلاني.
قضية غرينلاند وارتباطها بالصين
عندما أشار دونالد ترامب في 2019 إلى اهتمام الولايات المتحدة بشرائها، لم يتأخر ردّ الفعل الأوروبي الذي جمع بين السخرية وعدم الفهم. فالفكرة بدت شبه هزلية وكأنها خارج الزمن؛ غير أن أخذها اليوم على محمل الجد يكشف أنها لم تكن نزوة رئاسية، بقدر ما مثّلت تعبيراً عن تحوّل عميق في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فهذا التحول بدأ قبل ترامب واستمر بعده؛ وغرينلاند ليست نقطة انطلاق، بل نتيجة لمسار طويل.
ومن هذا المنظور، تعود عقيدة مونرو لا بصيغتها التوسعية الترابية القديمة في الجوار، بل في شكل جديد، قوامه حماية المجال الحيوي الأميركي عبر التحكم بالبنى التحتية الحرجة. فالعقيدة التي كان أساسها “الإقليمية” وظُنّ أنها استقرت في كتب التاريخ، تعود اليوم في صيغة مُحوَّرة تنبني على “الوظيفية”.
في الأصل، لم يكن مبدأ مونرو عقيدة توسعية إمبريالية، بل أداة لمنع أي قوة خارجية من الولوج إلى البيئة المباشرة للولايات المتحدة. وعلى مدى أكثر من قرن، استند التفكير الاستراتيجي الأميركي إلى بديهية جغرافية مفادها أن “المسافة تحمي”. غير أن هذه القناعة اهتزت مع العصر النووي والصواريخ العابرة للقارات، وانهارت اليوم مع التفوق الشرقي في تقنيات الصواريخ الفرط-صوتية.
وتندرج غرينلاند ضمن منظومة الإنذار المبكر الأميركية، وتُعد ممراً محتملاً للمسارات النووية بين روسيا وأميركا الشمالية، كما تشكّل فضاءً مستقبلياً لتنافس متصاعد في القطب الشمالي. ومن منظور عسكري صرف، تستطيع الولايات المتحدة الحصول على ما تحتاجه هناك بموافقة الدنمارك، وهو ما يمنح تصريح ترامب معناه الحقيقي: لم يكن الهدف امتلاك قدرة جديدة، بل إزالة أي غموض استراتيجي.
وتراقب واشنطن منذ عدة سنوات بقلق متزايد السيطرة التدريجية لجهات صينية على بنى تحتية حيوية في أوروبا. فالأصول المعنية – من موانئ ومنصات لوجستية وشبكات نقل – طالما اعتُبرت تجارية بحتة، لكنها تُرى اليوم كرافعات قوة استراتيجية. ورسالة التحذير الضمنية التي ترسلها الولايات المتحدة يسهل تفكيكها: بعض المناطق، حتى وإن كانت تحت سيادة حلفاء، تُعد فعلياً جزءاً من الحزام الاستراتيجي الأميركي، ولن يُسمح فيها بأي وجود صيني، ولو غير مباشر.
هذا التشدد لم يبدأ في القطب الشمالي، بل سجلت ارهاصاته جنوباً، على أرصفة الموانئ الأوروبية. فقد شكّل استحواذ شركة COSCO الصينية على ميناء بيرايوس اليوناني عام 2016 نقطة تحوّل غير مسبوقة، إذ تمكّنت شركة حكومية صينية من ترسيخ وجود دائم داخل بنية تحتية أساسية تقع في نطاق الناتو. كما أثار استثمار الصين في ميناء هامبورغ قلقاً من نوع مختلف، إذ كشف هشاشة القرار الاستراتيجي الأوروبي حين تُقدَّم التنافسية الاقتصادية على السيادة.
هذا الاستيقاظ المتأخر يذكّر بتاريخ قناة بنما، التي اعتُبرت زمناً طويلاً مكسباً أميركياً مضموناً، قبل أن تعيد واشنطن اكتشاف مركزيتها الاستراتيجية مع تنامي الحضور الصيني حول بنيتها التحتية. ومرة أخرى، لم يأتِ الرد الأميركي إلا حين تبيّن أن بعض الأصول لا يمكن تركها لمنطق السوق وحده. وكان أول ملف أولته واشنطن اهتماماً عند استلام ترامب ولايته الثانية هو استرجاع قناة بنما من الجهة المشغِّلة التي يضم رأسمالها أصولاً صينية.
ويبرز هنا سؤال جوهري حول سبب تأخر الولايات المتحدة في التحرك رغم وعيها بهذه المخاطر. ويكمن الجواب في قصور في الحس الاستراتيجي ناتج عن التمسك الدغمائي بالليبرالية. ففي عام 2006، منعت واشنطن استحواذ Dubai Ports World على موانئ أميركية، مؤكدة أن البنى التحتية الحرجة لا تنفصل عن القرار السياسي. غير أن هذا المنطق ظل محصوراً داخل الحدود الوطنية، بينما تُرك الخارج لمنطق سيادة الدول والسوق، مدعوماً برفض رأسمالية الدولة وبثقة مفرطة في حياد العولمة.
وفي ولايته الأولى، لم يكتف ترامب بالتشخيص أو بالسعي إلى التصحيح الاستراتيجي، بل عبّر عن الهواجس بصدامية، واختار المواجهة المباشرة، دون مبالاة بصدمة الحلفاء. في المقابل رأى الجهاز الاستراتيجي الأميركي انزلاقاً تدريجياً يحتاج إلى تقويم.
ولم يختفِ هذا المنطق بعد ترامب، ففي عهد بايدن تُرجم عبر أدوات أكثر مؤسسية دون تغيير جوهره، مثل DFC وPGII وfriend-shoring؛ ما يؤكد أن التحول لم يكن ظرفياً ولا شخصياً، بل مؤسسياً ومتعدد الإدارات. فـ DFC تمثل الذراع التمويلية الأميركية لحماية وتمويل البنى التحتية الحيوية لدى الحلفاء، فيما تمثل PGII الإطار الجماعي الغربي لتنسيق استثمارات البنية التحتية عالمياً، ويعكس نظام friend-shoring تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى مرتكزات العولمة، من الاكتفاء بالكفاءة الاقتصادية إلى أولوية الأمن والموثوقية السياسية.
وتجدر الإشارة إلى أن المنطق الوظيفي في التعامل مع الصين لا ينطبق على جميع الخصوم، وهو ما يبرز بوضوح في خصوصية الحالة الإيرانية، رغم ما يجمع الصين وإيران من قواسم مشتركة تجعل بعض المحللين يغفلون عن الطبيعة الخاصة للعلاقة بين القوى الغربية وإيران.
إيران: التحدي البنيوي خارج منطق الاحتواء الاقتصادي
على خلاف الحالة الصينية، لا يتموضع الصراع الأميركي مع إيران ضمن منطق التنافس بين قوى كبرى داخل نظام دولي مختل التوازن، بل يُدرَك في واشنطن بوصفه تحدياً بنيوياً للاستقرار الإقليمي ولمعادلات الردع التي قامت عليها الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. فإيران لا تُقارَب كفاعل اقتصادي صاعد يمكن احتواؤه أو إدماجه، بل كقوة إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة أمنية حساسة عبر أدوات غير متماثلة، تمتد من النفوذ العسكري غير المباشر إلى إمكانية تعطيل مسارات الطاقة والملاحة الدولية.
ومن هذا المنظور، فإن حدّة الصراع لا تعود إلى اختلاف أيديولوجي مجرّد، بقدر ما ترتبط بكون إيران تعمل خارج منطق الدولة الوظيفية في النظام الدولي، وتستثمر في مناطق الفراغ الجيوسياسي لإضعاف منظومات الردع التقليدية، ما يجعل احتواءها أكثر تعقيداً مقارنة بقوى إقليمية أخرى. ويضاعف من حساسية إيران في الحسابات الأميركية والغربية تمركزها في فضاء جغرافي يربط الخليج بشرق المتوسط وبآسيا الوسطى، ويشرف على عقد طاقوية وبحرية حيوية. هذا ما يفسر تصنيف طهران كعامل اختلال هيكلي، لا يمكن التعامل معه بالأدوات الاقتصادية أو الترتيبات التجارية وحدها.
ولا ينفي ما سبق أن بعض المقاربات التحليلية في الغرب تميل إلى إضفاء أبعاد ثقافية–دينية على الصراع مع إيران، معتبرة أن صعوبة احتواء الفضاءات ذات الخلفية الشيعية، مقارنة بدول ذات مرجعيات سنية، تُسهم في رفع منسوب التوجس المتبادل. كما تلعب مسألة “الولاية” واستحضار العداء التاريخي “الخيبري” في بعض الخطابات المعادية لإيران، دوراً في تفسير درجة العدائية بين الطرفين. غير أن هذه المقاربات، وإن أثرت في الخطاب السياسي والإعلامي، تبقى عاملاً تفسيرياً ثانوياً لا يرقى إلى مستوى المحددات البنيوية للصراع، المرتبطة أساساً بالجغرافيا السياسية وتوازنات الردع ووظيفة الدولة داخل النظام الدولي.
وكما أظهرت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، لم يعد الهدف إدارة نظام عالمي موحّد، بل تحصين المجال الحيوي الأميركي ومنع اختراقه بنيوياً. وفي هذا السياق، يتجه العالم فعلياً نحو تقاسم غير معلن لفضاءات التأثير الإقليمي: فضاء أوراسي ترابي متصل جغرافياً ومتكامل اقتصادياً بسوق مليارية، في مقابل فضاء أميركي محمي بين محيطين، يقوم على السيطرة البحرية وبنى تحتية مغلقة أمام التسيير أو الاستثمار لغير المنتمين للمنطقة.
هذا التقاسم، قد لا يُعلَن رسمياً، لكنه مرشّح لأن يفرض نفسه كمخرج عملي لتفادي صدام قطبي كارثي. وفي هذا المشهد، تبقى إفريقيا فضاءً مفتوحاً للمنافسة بين الكتلة الأوراسية والقطب الأميركي، كساحة اختبار للقوة الاقتصادية واللوجستية والسياسية، في ظل غياب الإرادة السياسية الجامعة للتّموقع كقطب مستقل، رغم التكامل المؤسساتي المتقدم للاتحاد الافريقي.
أما أوروبا، بما في ذلك إنجلترا، فما تزال تمتلك فرصة للتموضع الاستراتيجي كقطب، شريطة تجاوز التجاذبات الداخلية، لا سيما في مسألتي الاستقلال الأمني-العسكري والعودة إلى التصنيع، وحل معضلة التبعية الطاقية إما عبر توسيع الاعتماد على الطاقة النووية، أو من خلال تسوية استراتيجية مع روسيا، وهو رهان لا يخلو من عوائق بنيوية وسياسية.
بهذا المعنى، يمكن القول في المحصلة إن “العالم القديم” – عالم المتوسط الذي صاغته حضارات الفينيقيين وقرطاج وروما واليونان – قد بلغ أفقه التاريخي النهائي. ويخلفه اليوم عالم جديد ثنائي البنية: أوراسيا القارية من جهة، وأميركا المُحصّنة من جهة أخرى. وعقيدة مونرو التي عادت، تحوّلت من حماية الأرض إلى حماية التبادلات، ومن الجغرافيا الصرفة إلى البنى التحتية، وهذا مسار مرشح للاستمرار بقطع النظر عن الهوية السياسية لساكن البيت الأبيض.
وختاماً، يمكن القول إن العولمة لم تنتهِ، بل أُعيد تسويرها، وإن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بمناعة الحدود، بل تُقاس كذلك بالسيطرة على البنى التحتية الاستراتيجية.




