
بقلم الخبير الديبلوماسي أ.حامد بن إبراهيم 
لوبوان- أظهرت المملكة العربية السعودية، طوال السنوات التي تلت المواجهة العسكرية مع أنصار الله في اليمن، حرصا على الظهور كعنصر توازن في بيئة إقليمية مضطربة، تميل إلى احتواء الخلافات أكثر من تفجيرها، وإلى إدارة التناقضات داخل التحالفات وتجنب التعامل الصفري والقطيعة. واهم مؤشر يصب في هذه القراءة التقارب مع إيران والنهج المتبع مع النظام السوري الجديد.
غير أن تطورات المشهد الإقليمي، وخصوصًا اللجوء لقصف المساعدات العسكرية الإماراتية للانفصاليين في جنوب اليمن نهاية 2025، توحي بمراجعة سريعة للموقف، تدفع إلى التساؤل عمّا إذا انتقلت الرياض إلى التعامل بصرامة أو بأقل تسامح مع من يحاول فرض وقائع جيوسياسية على حدودها وفي محيطها الإقليمي الموسع.
اليمن ومحدّدات الرؤية السعودية للأمن الإقليمي
يشكل اليمن، أكثر من أي ساحة أخرى، حجر الزاوية في التفكير الاستراتيجي السعودي، فالجغرافيا والتاريخ والتداخل الاجتماعي تجعل من استقرار اليمن، أو اضطرابه، مسألة تتجاوز السياسة الخارجية التقليدية إلى صلب الأمن الوطني. ومن هنا، يمكن فهم إصرار السعودية، منذ بداية الأزمة، على خطاب يؤكد وحدة اليمن ورفض تحوّله إلى كيانات متنازعة أو سلطات أمر واقع.
خلال السنوات الماضية، رجّحت الرياض مقاربة تقوم على الصبر الاستراتيجي، ساعية إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم ما سمي “الشرعية اليمنية”، والحفاظ على تماسك التحالفات الإقليمية، وتجنّب الانزلاق إلى صدامات جانبية. غير أن المؤشرات الميدانية، خصوصًا في جنوب اليمن، توحي بأن هذا التوازن بات أكثر هشاشة، مع تنامي نفوذ قوى محلية لا تخفي طموحات انفصالية، وتحظى بدعم واضح من ابو ظبي؛ وإن كان البعض يرى انه مجرد واجهة لتدخل امريكي اسرائيلي في اليمن .
ومن منظور سعودي، قد لا تكمن الإشكالية في تنوّع الفاعلين في الساحة اليمنية، بقدر ما تكمن في الدوافع وراء هذا التنوّع ومدى خطورته على كيان الدولة. فالتجارب الإقليمية تشير، في الغالب، إلى أن تعدد القوى المسلحة -المدعومة خارجيا-خارج السلطة المركزية لا يقود إلى استقرار مستدام، بل يفتح المجال أمام صراعات مؤجلة وتدخلات خارجية أوسع. لذلك، يبدو أن القلق السعودي لا ينحصر في تفاصيل المشهد اليمني، بل في النموذج الذي قد يترسخ إذا ما قُدّم التفكيك بوصفه حلًا عمليًا. ولا يخفى على العقل الاستراتيجي في الرياض ما يحاك للسودان والصومال من مخططات تقسيم، تقف وراءها نفس القوى. هذا فضلا عن تفاصيل مخطط التقسيم القديم للمنطقة زمن كوندوليزا رايس، الذي تضمّن تفكيك المملكة العربية السعودية واستقطاع جزء بنظام دولي – شبيه بالفاتيكان – يجمع مكة والمدينة.
في هذا السياق، يمكن قراءة التحركات السياسية والعسكرية السعودية الأخيرة باعتبارها محاولة للتذكير بخطوط عامة كانت قائمة، لكنها لم تُفرض بحزم في السابق. ولا يعني ذلك بالضرورة انتقالًا كاملاً إلى سياسة المواجهة، بقدر ما يعكس رغبة في وقف الانزلاق نحو مسار ترى الرياض أنه يحمل مخاطر استراتيجية طويلة الأمد.
التحالفات الخليجية وإعادة ضبط الإيقاع
عند الانتقال إلى مستوى العلاقات الخليجية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالسعودية تنظر إلى مجلس التعاون باعتباره إطارًا ضروريًا للاستقرار، تحرص على تجنيبه الخلافات أو نقلها إلى العلن إن وجدت، خاصة بعد التقارب مع قطر. ومن هنا، وجب الانتباه إلى أن الخلافات المرتبطة باليمن لم تُقدَّم يومًا بوصفها صراعًا مع “الإمارات” ككيان اتحادي، بل يجري التعامل معها، في الغالب، من زاوية ربطها بمركز القرار الفعلي داخل الاتحاد؛ اي انها ترجمة لخط ابو ظبي ودبي في العلاقات الخارجية.
هذا التمييز، وإن كان غير معلن في الخطاب الرسمي، يبدو حاضرًا في السلوك السياسي. فالمؤشرات توحي بأن الرياض تحرص على عدم الذهاب بعيدًا في تأزيم العلاقة، إدراكًا منها أن أي اهتزاز كبير داخل المنظومة الخليجية ستكون كلفته جماعية. وفي الوقت نفسه، قد يكون من الصعب تجاهل شعور متنامٍ بأن بعض السياسات الإقليمية لأبو ظبي تُدار بمنطق أحادي خاص – لا اتحادي- في سياق أجندات أمريكية إسرائيلية ، دون مراعاة كافية لحساسيات الأمن المشترك لبقية مكونات دولة الإمارات والخليج عموما.
وتتداخل في هذا المشهد عوامل إضافية، من بينها طبيعة التحالفات الجديدة في المنطقة، ولا سيما ما يتصل بالعلاقة المتنامية مع إسرائيل. فالسعودية، التي تتعامل مع هذا الملف بحذر واضح، قد ترى أن توسيع هذه التحالفات في ساحات نزاع مفتوحة، مثل اليمن أو البحر الأحمر، يحمل في طياته مخاطر تصعيد غير محسوبة.
وليس من الواضح أن الرياض تعارض هذه العلاقات من حيث المبدأ، لكن يبدو أنها تتحفظ على توقيتها وسياقها الجيوسياسي. ولا يستبعد أن تعتمد الرياض تكتيك التأجيل إلى أن تستقر حركة الألواح التكتونية في العلاقات الدولية وتستقر ملامح النظام الدولي متعدد الأقطاب الجديد، الذي يُحتمل أن تصبح فيه اسرائيل تفصيلا لا أثر له في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
أما الحديث عن احتمالات إعادة تشكيل التوازن داخل الخليج، فيبقى – حتى الآن – في إطار التحليل أكثر منه الواقع. فالسعودية لا تبدو معنية بتشجيع انقسامات داخلية في دول شقيقة، ولا بإضعاف الكيانات القائمة. لكن المؤشرات قد توحي بسعيها إلى استخدام أدوات أكثر هدوءًا، سياسية واقتصادية، لمنع احتكار القرار الإقليمي أو فرض مسارات لا تحظى بتوافق أوسع. فأبو ظبي ودبي قد تظطرهما السعودية مستقبلا إلى تشريك اعضاء الاتحاد الباقين في الخيارات الخارجية والتراجع عن الاندفاع المفرط في النزاعات المسلحة، التي تستهدف استقرار دول عربية يشكل انفجارها دائرة نار حول الرياض.
في المحصلة، لا يبدو أن السعودية بصدد انقلاب جذري في سياستها الإقليمية، بقدر ما تمرّ بمرحلة إعادة تقييم فرضتها تراكمات السنوات الماضية. فبين إدارة التوازن والحسم، مساحة رمادية واسعة، قد تتحرك فيها الرياض وفق تطورات المشهد وحدود ما تراه مقبولًا أو مقلقًا لأمنها القومي.
و يظل اليمن، الساحة الأوضح لاختبار هذه المقاربة، لكنه ليس الساحة الوحيدة. والمؤشرات، وإن لم تصل بعد إلى مستوى القطع، توحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد سياسة سعودية أكثر وضوحًا في رسم الخطوط الحمراء، مع استمرار الحرص – قدر الإمكان – على تجنّب القطيعة، والإبقاء على هامش للمناورة في إقليم متغير ودائم التحول.
وتقف الرياض أمام فرصة تاريخية لإثبات قدرتها على أن تكون الضلع الرابع في مربع القوى الإقليمية المستفيدة من فراغ الانكفاء الاستراتيجي الأمريكي. فمن حيث المقدرات والوزن الإقليمي لا مبرر لأي تردد سعودي في التموقع القيادي للإقليم مع مصر وتركيا وإيران. ويعتبر التحالف مع باكستان خطوة في هذا الاتجاه، لكنها تحتاج لمزيد التركيز على العلوم والتصنيع -خاصة العسكري- كي ترفع مستوى الردع وتضع حدا للمخططات التي تحاك لها وللمنطقة.




