لوبوان تي ان:
يُخلّد التونسيون في التاسع من أفريل من كل سنة عيد الشهداء، إحياءً لذكرى أحداث 9 أفريل 1938 التي شكّلت واحدة من أكثر المحطات دموية وتأثيرًا في تاريخ النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي.
وقد مثّلت تلك الأحداث نقطة تحوّل حاسمة في مسار الحركة الوطنية، حيث خرج التونسيون في مظاهرات حاشدة مطالبين بإصلاحات سياسية جوهرية، وعلى رأسها إرساء برلمان تونسي وتحقيق السيادة الوطنية. غير أنّ هذه التحركات السلمية ووجهت بقمع شديد من قبل السلطات الاستعمارية، ما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى.
وتعود جذور هذه الانتفاضة إلى تصاعد الوعي الوطني، خاصة في صفوف الشباب الذين كان لهم دور بارز في تأجيج روح المقاومة. فقد كان أغلب قادة هذه التحركات من الشباب الذين لم تتجاوز أعمارهم الثلاثين، لكنهم لعبوا دورًا محوريًا في تعبئة الجماهير وترسيخ الحس الوطني.
ومن أبرز المحطات التي سبقت هذه الأحداث، دعوة المناضل علي البلهوان يوم 12 مارس 1938 لإلقاء محاضرة بعنوان “دور الشباب في المعركة الوطنية” بقاعة “فاريتي”، غير أنّ السلطات الاستعمارية منعتها، ما دفعه إلى إلقائها بمقر الحزب بباب سويقة، في تحدٍ واضح للسلطة القائمة.
كما قامت السلطات الفرنسية في الفترة ذاتها بإيقاف عدد من قيادات الحزب، من بينهم سليمان بن سليمان ويوسف الرويسي والهادي نويرة، بتهم تتعلق بالتحريض، وهو ما زاد من تأجيج الأوضاع ورفع منسوب الاحتقان الشعبي.
وفي خضم هذه التطورات، دعا الديوان السياسي للحزب إلى إضراب عام يوم 8 أفريل 1938، تزامن مع خروج مسيرتين كبيرتين بالعاصمة، الأولى من ساحة الحلفاوين بقيادة علي البلهوان، والثانية من رحبة الغنم بقيادة المنجي سليم. وقد التقت المسيرتان أمام مقر الإقامة العامة الفرنسية، حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب ببرلمان تونسي وحكومة وطنية، وبلغ عددهم قرابة عشرة آلاف متظاهر.
وخلال هذه المظاهرة، ألقى علي البلهوان خطابًا حماسيًا عبّر فيه عن قوة الشباب وعزمهم على إنهاء الاستعمار، مؤكدًا أن بناء مستقبل تونس لن يتحقق إلا بإرادة أبنائها وتضحياتهم.
وفي اليوم الموالي، 9 أفريل 1938، قامت السلطات الاستعمارية باعتقال علي البلهوان، ما أشعل موجة غضب عارمة في صفوف التونسيين الذين خرجوا بأعداد كبيرة للتظاهر. وردّت القوات الفرنسية بإعلان حالة الحصار، وقمع الاحتجاجات بعنف، وشنّ حملة اعتقالات واسعة شملت الآلاف، من بينهم الحبيب بورقيبة، حيث تراوح عدد المعتقلين بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، وأُحيلوا على المحاكم العسكرية.
وقد أسفرت هذه المواجهات عن سقوط 22 شهيدًا وإصابة نحو 150 جريحًا برصاص الاحتلال، لتتبعها حملة قمع شاملة استهدفت قيادات الحركة الوطنية.
ورغم قسوة تلك الأحداث، فإن تضحيات الشهداء لم تذهب سدى، بل كانت خطوة حاسمة في مسار التحرر الوطني، ومهّدت الطريق نحو الاستقلال الذي تحقق في 20 مارس 1956. وهكذا ظلّ عيد الشهداء في تونس مناسبة لاستحضار قيم النضال والوفاء، وتجديد العهد على مواصلة حماية الوطن وصون مكاسبه.
هاجر واسماء





