في خضم ضغط الحروب الكبرى كثيرا ما يحدث أن تفقد الدول بوصلتها السياسية، فتتخذ قرارات عسكرية انفعالية تربك حساباتها الاستراتيجية أكثر مما تخدمها. وهذا ما يبدو أن إيران وقعت فيه في لحظة مفصلية من الحرب المشتعلة اليوم بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة. فبدل أن تحسن إدارة المعركة سياسيا ودبلوماسيا، وتحوّلها إلى قضية رأي عام عالمي ضد العدوان، بدت في بعض ممارساتها وكأنها توسّع دائرة النار على نحو يهدد بخسارة معركة النفوذ والشرعية في آن واحد. لينفلت العقال.
فالحروب ليست مجرد عساكر وخطط ومناورات وصواريخ وطائرات، بل هي أيضا إدارة للعلاقات والتحالفات وتقدير دقيق لموازين القوى ومواقع الأصدقاء والخصوم. وإيران التي تواجه تحالفا عسكريا أمريكيا-اسرائيليا، كان يفترض بها أن تعمل على توسيع دائرة التعاطف معها في العالمين العربي والإسلامي، لا أن تدفع ببعض سياساتها العسكرية إلى حدود تثير الغضب والقلق لدى دول الجوار وخاصة دول الخليج.
إن توسيع رقعة ضرباتها لتطال دولا في الإقليم – بما في ذلك دول خليجية وتركيا وأذربيجان – لا يمكن تفسيره استراتيجيا إلا انزلاقا خطيرا في إدارة الصراع وتخبط ومرور الى سياسة الأرض المحروقة. فهذه الدول، على اختلاف مواقفها السياسية، ليست جميعها منخرطة بشكل أو بآخر في الحرب ضد إيران، بل إن بعضها أعلن بوضوح رفضه استخدام أجوائه أو أراضيه للاعتداء عليها رافضا للخيار العسكري وداعيا للحلول الديبلوماسية. وقد برزت في هذا السياق مواقف رسمية لبعض الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، التي أكدت رفضها تحويل أراضيها أو مجالها الجوي إلى منصة لشن هجمات على إيران. ولا ننسى دور سلطنة عمان راعية الحوار والتفاوض الى آخر وقت.
كان من الممكن لطهران أن تستثمر مثل هذه المواقف سياسيا، وأن تحوّلها إلى رصيد دبلوماسي مهم في مواجهة التحالف المعادي لها. فالحروب الحديثة تحسم بقدر كبير في ميدان السياسة والدبلوماسية والرأي العام الدولي، وليس فقط في ساحات القتال.
لكن ما يحدث اليوم يوحي بأن الحسابات العسكرية الضيقة بدأت تطغى على الرؤية الاستراتيجية الأوسع. فبدلا من تركيز الجهد على العدو المباشر، أي إسرائيل التي تشن الحرب بدعم أمريكي، تبدو ايران وكأنها تحاول جرّ المنطقة نحو دائرة تصعيد أوسع باعتداءاتها على دول دون مبررّ لتتحول وفق القانون الدولي الى بلد معتد بعد ان كان معتديا عليه.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فأي حرب تتحول إلى صراع مفتوح مع دول الجوار تفقد تدريجيا بعدها الأخلاقي والسياسي، وتتحول في نظر كثيرين إلى نزاع إقليمي واسع يصعب التمييز فيه بين المعتدي والمعتدى عليه. وهذا تحديداً ما ينبغي على إيران أن تتجنبه إذا أرادت الحفاظ على ما تبقى لها من رصيد سياسي في العالمين العربي والإسلامي.
نحن في العالم العربي، وكثيرون غيرنا، ندرك أن العدو الذي يهدد المنطقة منذ عقود هو إسرائيل وسياساتها التوسعية والعدوانية، وأن الصراع معها ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل قضية تتعلق بالأمن والعدالة والحقوق التاريخية للشعوب. ومن هذا المنطلق فإن أي مواجهة مع هذا المشروع تحظى بطبيعة الحال بتعاطف قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي.
لكن هذا التعاطف ليس شيكا على بياض، فلا يمكن لأي دولة – مهما كانت مبرراتها – أن تعتمد سياسة الأرض المحروقة أو أن توسّع دائرة الصراع لتشمل دولا عربية وإسلامية ليست طرفا في الحرب. إن تحويل المنطقة إلى ساحة نار مفتوحة لن يخدم إلا أولئك الذين يسعون منذ سنوات إلى جر الشرق الأوسط كله إلى حالة فوضى دائمة.
لقد كان بإمكان إيران أن تكسب الكثير من التعاطف والمساندة والدعم لو ركزت على المعركة الدبلوماسية بقدر تركيزها على المعركة العسكرية. كان بإمكانها أن تعزز خطابها السياسي حول الدفاع عن سيادتها، وأن تبني شبكة أوسع من الدعم الدولي والإقليمي، خصوصا في العالم الإسلامي. فالدول لا تنتصر فقط بالقوة العسكرية، بل أيضا بقدرتها على إدارة التحالفات وكسب التعاطف وتحييد الخصوم.
إن اللحظة الراهنة تفرض على طهران مراجعة عميقة لأسلوب إدارتها للصراع. فالحرب، مهما اشتدت، يجب أن تبقى ضمن حدود واضحة تمنع انزلاق المنطقة كلها إلى مواجهة شاملة لا رابح فيها.
إننا نقف مع حق إيران في الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان، لأن العدو الذي يهدد استقرار المنطقة معروف. لكن الوقوف مع هذا الحق لا يعني القبول بسياسات توسّع دائرة النار أو تمسّ من أمن وسيادة دولا عربية وإسلامية لم تنخرط ولم تكن طرفا في الحرب ضدها.
فالحكمة في أوقات الحرب لا تقل أهمية عن الشجاعة. والدول التي تفقد زمام الحكمة في لحظات الغضب، كثيرا ما تكتشف لاحقا أن المعركة التي خاضتها بالسلاح قد خسرتها في ميدان السياسة.






