حامد بن إبراهيم/ استشاري في العلاقات الدولية 
في القراءة البنيوية-التاريخية لمسار الجمهورية الإسلامية، لا يمكن فهم دور علي خامنئي بمعزل عن التأثير العميق الذي تركته تجربة جمال عبد الناصر في وعي جيل كامل من النخب الثورية في الشرق الأوسط. فخامنئي، الذي تَشَكَّل وعيه السياسي في ظل صعود المدّ القومي والتحرري، لم ينظر إلى الناصرية بوصفها تجربة مصرية محلية، بل باعتبارها نموذجًا لدولة ما بعد الاستعمار تسعى لفرض السيادة عبر أدوات القوة الصلبة والرمزية.
وتُروى حادثة بكاء خامنئي ليومين متواصلين عند تلقيه خبر وفاة عبد الناصر أثناء سجنه في عهد محمد رضا بهلوي، كإشارة دالة على عمق هذا التأثر. سواء صحت الرواية حرفيًا أم لا، فإنها تعبّر عن حقيقة سياسية أوسع: خامنئي كان يرى في عبد الناصر تجسيدًا لإمكانية بناء استقلال استراتيجي في مواجهة الهيمنة الغربية. وعند قراءة الفكر السياسي الإيراني لما بعد ثورة 1979 لا يمكن تغييب رمزية مصر وارتباطها بالمعز لدين الله الفاطمي ووقوفه ضد الدولة العباسية وتسمية القاهرة بمعنى المُتَحدّية لبغداد.
وشكّل تأميم قناة السويس عام 1956 لحظة تأسيسية في الفكر السيادي الحديث في المنطقة، حيث تحوّلت الجغرافيا إلى أداة مقاومة. هذا الدرس لم يغب عن خامنئي، الذي سعى، بعد انتصار الثورة الإيرانية، إلى إعادة صياغة علاقة إيران بموقعها الجيوسياسي. وفي هذا السياق، يمكن فهم السعي الإيراني لتحويل مضيق هرمز من مجرد ممر دولي إلى أداة ضغط سيادي، بما يشبه – في المخيال الاستراتيجي- وظيفة قناة السويس الناصرية. الحديث عن تنظيم العبور وفرض قواعد جديدة لا يخرج عن إطار إعادة تعريف السيادة على الممرات الحيوية في مواجهة نظام دولي غير متكافئ.
التفوق الجوي الغربي: معضلة العرب الكبرى
أحد أبرز دروس الهزيمة العربية، خاصة بعد حرب 1967، كان التفوق الجوي الإسرائيلي المدعوم غربيًا. هذه العقدة، التي لم تتمكن مصر الناصرية من حلها بشكل جذري، أصبحت محورًا رئيسيًا في التفكير العسكري الإيراني. فبدلًا من محاولة مضاهاة القوة الجوية التقليدية، اتجهت إيران إلى تطوير استراتيجيات لا تماثلية: الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي المحلية. هذه المقاربة تعكس انتقالًا من منطق “التكافؤ” إلى منطق “الردع غير المتكافئ.
ولم يكن الإعجاب بالتجربة الناصرية عند خامنئي إعجابًا أعمى. فقد استخلص دروس الإخفاق، خاصة فيما يتعلق بالاعتماد على الخارج. وشكّلت تجربة البرنامج الصاروخي المصري في الستينيات مثالًا على هشاشة “الاستقلال العلمي المستعار”. البرنامج الصاروخي المصري تعثر بسبب الاعتماد على خبرات ألمانية، تعرضت لضغوط دولية وملاحقة استخباراتية إسرائيلية اجبرتها على المغادرة.
في المقابل، عملت إيران، خصوصًا خلال الحرب الإيرانية العراقية، على بناء قدرات ذاتية عبر الهندسة العكسية لصواريخ سكود التي حصلت عليها من ليبيا. هذا التحول من الاستيراد إلى الإنتاج لم يكن اقتصاديا فقط، بل كان خيارًا تقنيًا استراتيجيًا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع مع الغرب.
ولم يكن تأسيس الحرس الثوري الإيراني مجرد خطوة أمنية بل كان ترجمة مؤسساتية لدرس تاريخي مفاده أن الجيوش التقليدية، كما في الحالة المصرية والعراقية والسورية، قد تكون عرضة للاختراق أو الانكفاء. لذا جرى بناء قوة موازية، عقائدية، مرتبطة مباشرة بمشروع النظام وبالتكليف المهدوي.
والمقارنة مع المسار السعودي، المبني على شراء الحماية وغياب المشروع التسلحي الوطني المستقل، تظهر أن التجربة الإيرانية عملت على بناء استقلال استراتيجي، في حين التجربة السعودية تبدو محكومة ببنية مختلفة جذريًا. فمنذ اللقاء التأسيسي بين الملك عبد العزيز آل سعود وفرانكلين روزفلت على متن البارجة عام 1945، تكرّس نمط من “عَقد الحماية” الذي ربط الأمن السعودي بالمظلة الأمريكية مقابل ضمان تدفق الطاقة. وتحول الامر لاحقا الى ربط الدولار بالنفط، وبشكل غير مباشر دعم الغلبة الغربية على المنطقة بالتمويل العربي. هذا الترتيب، رغم ما وفره من استقرار، أسهم في إضعاف الحوافز لبناء مشروع سيادي متكامل قائم على المعرفة والتصنيع العسكري. والمشهد يزداد غرابة وعبثية اذا ما تعمق التحليل في ما ينشر عن تمويل عائدات النفط الخليجي لحروب الغرب على الأنظمة والقوى المعارضة للاستعمار، ولعل أبرزها الحرب على العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان.
ضمن هذا الإطار، بقي الاقتصاد السعودي والخليجي عموما، لعقود طويلة، أقرب إلى نموذج ريعي-استهلاكي، حيث يعاد تدوير العائدات النفطية في الاستيراد والإنفاق الاستهلاكي، بدلًا من تحويلها إلى قاعدة إنتاجية مستقلة. الاستثناء الأبرز يُنسب إلى عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي حاول إدخال عناصر من الاستقلال النسبي في القرار السياسي والاقتصادي، خاصة في سياق حظر النفط 1973. غير أن هذا المسار لم يتبلور في مشروع طويل الأمد، وتوقّف مع اغتياله، دون أن يستأنف من جاء بعده خطوات بناء منظومة تكاملية في مجالات التقنية والتسليح والمعرفة.
في المقابل، جرى توظيف جزء معتبر من الموارد في دعم شبكات فكرية دينية ذات نزعة تقليدية، ما أسهم في إعادة إنتاج خطاب يفتقر إلى أدوات التحديث، ويتجه غالبا نحو الانغلاق والتشدد. وتُقدَّم ظواهر مثل صعود ما عرف “بتنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) بوصفها إحدى النتائج القصوى لمسارات “الانفلات الفقهي ” المنفصل عن سياقات الرسالة المحمدية وجوهرها الختامي؛ الذي يُفترض ألاّ يتعارض مع الدولة الحديثة ومتطلبات بناء القوة الشاملة، كما أظهرته التجربة الإيرانية.
“الاستقرار العقائدي” رافعة لبناء المشروع الوطني المستقل
إلى جانب العوامل المادية والمؤسساتية، تستفيد إيران من نوع من “الاستقرار العقائدي” الذي يمنحها قدرة عالية على التعبئة والتوجيه. فالنظام يميل إلى اختزال رؤيته للعالم في ثنائيات حادّة وبسيطة كالخير والشر، والحق والباطل؛ واستعادة ثنائية الحسين بن علي مقابل يزيد بن معاوية بوصفها نموذجًا تفسيريًا للصراع السياسي عبر الازمان. هذه البنية الرمزية لا تنحصر في المجال الديني، بل تُسقَط على التحالفات والعداوات، وعلى خطاب التعبئة في أوقات المواجهة.
في هذا السياق، يصبح الموقف من الخصوم ليس مجرد تقدير مصلحي، بل خيارًا أخلاقيًا-تاريخيًا. وقد عبّر خامنئي عن هذا المنطق حين رفض التفاوض المباشر مع دونالد ترامب، مستحضرًا العبارة المنسوبة إلى الحسين: “مِثلي لا يبايع مِثله”. كما يُنسب إليه توصيف خصومه -وفي مقدمتهم الولايات المتحدة- بـ “يزيدُ الزمان”، في إعادة إسقاط للرمزية الكربلائية على الواقع الدولي. ضمن هذا الإطار، يُعاد تصنيف الفاعِلين، فمَن يقف في معسكر الباطل أو الاستعمار يُدرج ضمن خانة “يزيد”، بغض النظر عن دينه أو مذهبه، ومن ثم يصبح الصراع معه مشروعًا، بل واجبًا، وفق منطق يستلهم سردية كربلاء بوصفها نموذجًا دائمًا للمواجهة بين الظلم والحق.
في المقابل، يعاني المجال السني من تشتت فقهي وعقائدي يضعف قدرته على إنتاج سردية تجميعيّة قابلة للتحول إلى قوة سياسية متماسكة في مواجهة التمدد الصهيوني، وهو ما ينعكس على طبيعة الفاعلية الاستراتيجية في الإقليم.
ورجوعا للفكرة المركزية لهذا المقال التي لخصها العنوان، يمكن القول إن وصف خامنئي بأنه “ناصري برتبة إمام” ليس توصيفًا أدبيًا بقدر ما هو محاولة لفهم تداخل مسارين: القومي والديني. فبينما انطلقت الناصرية من أفق قومي عربي، أعادت الخمينية إنتاج بعض أدواتها ضمن إطار ديني-ثوري عابر للحدود. والقاسم المشترك هو السعي إلى الاستقلال الاستراتيجي، واستخدام الجغرافيا كرافعة سيادية، وبناء قدرات عسكرية محلية. أما الاختلاف، فيكمن في المرجعية الأيديولوجية وشبكات التحالف.
وختاما، في ضوء التطورات الإقليمية المتسارعة، لا يبدو أن مشروع خامنئي هو مجرد امتداد للناصرية، بل هو إعادة تركيب لها ضمن شروط تاريخية جديدة. وإذا كان عبد الناصر قد أمّم القناة، فإن خامنئي، ومن يحمل الراية من بعده، يسعى – رمزيًا وعمليًا- إلى “تأميم” المضيق. وبين القناة والمضيق، يتواصل صراع السيادة في الشرق الأوسط، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا، وبلاعبين أكثر تعددًا، والفارق أن التجربة الناصرية أنهت الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية وتجربة إيران قد تنهي طموح الريادة العالمية للولايات المتحدة وانطلاق مرحلة العالم متعدد الاقطاب.





